التفاسير

< >
عرض

وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاَّ خَطَئاً وَمَن قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَئاً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَىٰ أَهْلِهِ إِلاَّ أَن يَصَّدَّقُواْ فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَّكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِّيثَٰقٌ فَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَىۤ أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِّنَ ٱللَّهِ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً
٩٢
وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَٰلِداً فِيهَا وَغَضِبَ ٱللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً
٩٣
-النساء

التأويلات النجمية في التفسير الإشاري الصوفي

ثم أخبر عن المؤمن أنه لا يقتل مؤمناً بقوله تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاَّ خَطَئاً} [النساء: 92]، والإشارة فيها: إن ليس لمؤمن الروح أن يقصد قتل مؤمن القلب إلا إن قتل خطأ، وذلك أن الروح إذا خلصت عن حجب صفات البشرية تتجلى الروح للقلب فتنور بأنوار الروحانية، ثم تنعكس أنوار الروح عن مرآة القلب إلى النفس الأمارة فتموت عن صفاتها الذميمة الظلمانية وتحيى بالصفات الحميدة النورانية، وتطمئن إلى ذكر الله لاطمئنان القلب به؛ ففي بعض الأحوال تتأيد الروح بوارد روح قدس رباني، وتتجلي في تلك الحالة الروح للقلب، فيخر موسى القلب صعقاً ميتاً بسطوة تجلي روح القدس الرباني، ويجعل جبل النفس الكافر دكاً {وَمَن قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَئاً} [النساء: 92]؛ أي: قلباً مؤمناً، {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ} [النساء: 92]؛ وهي رقبة السر الروحاني، فتصير رقبة السر محررة عن رق المخلوقات، {وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَىٰ أَهْلِهِ} [النساء: 92]؛ يعني: يسلم العاقلة وهو الله تعالى دية القلب إلى أهله؛ وهم أوصافه الحميدة الروحانية من جمالات الألطاف لتصير الأوصاف بها أخلاق ربانية، {إِلاَّ أَن يَصَّدَّقُواْ} [النساء: 92]؛ يعني: إلا أن يتصدق الأوصاف الروحانية القلبية هذه الرتبة على فقراء ومساكين أوصاف النفس الحيوانية والشيطانية {فَإِن كَانَ} [النساء: 92] لمعنى القتيل بالتجلي، {مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَّكُمْ} [النساء: 92] أي: صفة من صفات النفس، وهي عدو لكم {وَهُوَ مُؤْمِنٌ} [النساء: 92]؛ يعني: هذه الصفة بأنوار الروح القدس دون أخواتها من الصفات، {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ} [النساء: 92]؛ وهي رقبة القلب تصير محررة عن رق حب الدنيا، ولا دية لأهل القتيل وهم لهم بقية أوصاف النفس؛ لأنهم كفار يخربون القلب وأوصافه، {وَإِن كَانَ} [النساء: 92]؛ يعني: القتيل {مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِّيثَٰقٌ} [النساء: 92]، وهم صفات النفس وميثاقها قبول أحكام الشرع ظاهراً، أو ترك المحاربة مع القلب وأوصافه باطناً، {فَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ} [النساء: 92] على عاقلة الرحمة، {إِلَىۤ أَهْلِهِ} [النساء: 92]، إلى أهل تلك الصفة المقتولة وهم بنية صفات النفس، كما قال تعالى: { إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّيۤ } [يوسف: 53]، {وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ} [النساء: 92]؛ وهي رقبة القلب محررة عن رق الكونين، {فَمَن لَّمْ يَجِدْ} [النساء: 92]؛ يعني رقبة مؤمنة من القلب والروح والسر؛ لتحرير رقابهم عن رق ما سوى الله، {فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ} [النساء: 92]؛ يعني: فعليه الإمساك عن مشارب العالمين على التتابع والدوام، مراقباً قلبه لا يدخله شيء من الدنيا والآخرة، مراعياً وقته لا يفوته طرفة عين، بحيث لو أفطر بأدنى شيء من المشارب كلها يستأنف الصوم بالإمساك، ولا يفطر بشيء دون لقاء الله تعالى كما قال قائلهم:

وحق له لما اعتراه نواكم لقد صام طرفي عن شهود سواكم
ويبدو هلال الصب حين يراكم يعيد قوم حين يبدو هلالهم

وفي قوله تعالى: {فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِّنَ ٱللَّهِ} [النساء: 92]، إشارة أخرى؛ وهي أن تربية النفس وتزكيتها ببذل المال وترك الدنيا مقدمة على تربيتها بالجوع والعطش وسائر المجاهدات، فإن: "حب الدنيا رأس كل خطيئة"، وهو عقبة لا يقتحمها إلا الفحول من الرجال، كقوله تعالى: { فَلاَ ٱقتَحَمَ ٱلْعَقَبَةَ * وَمَآ أَدْرَاكَ مَا ٱلْعَقَبَةُ * فَكُّ رَقَبَةٍ } [البلد: 11-13]، وإن أول قدم السالك أن يخرج من الدنيا وما فيها، وثانية أن يخرج من النفس وصفاتها، كما قال: دع نفسك وتعالى، وقال تعالى: { وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ } [البقرة: 149]، وفي قوله: {فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِّنَ ٱللَّهِ} [النساء: 92]، إشارة إلى: إن الإمساك عن المشارب كلها من الدنيا والآخرة على الدوام، وهي جذبة من الله تعالى {وَكَانَ ٱللَّهُ} [النساء: 92] في الأزل {عَلِيماً} [النساء: 92] بمن يصلح لهذه الجذبة، { حَكِيماً} [النساء: 92] فيما اختارها يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد.
ثم أخبر عن قصد قتل المؤمن بالعمل بقوله تعالى: {وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً} [النساء: 93]، والإشارة فيها: إن القلب مؤمن من أصل الفطرة، والنفس كافرة في أصل الخلقة، وبينهما عداوة جبلية وقتال أصلية وتضاد كلية، فإن في حياة النفس موت القلب، وفي حياة القلب موت النفس، فلما كان نفوس الكفار حية كانت قلوبهم ميتة، فسماهم الله تعالى الموتى، كما قال تعالى:
{ إِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ ٱلْمَوْتَىٰ } [النمل: 80]، ولما كانت نفس الصديق رضي الله عنه ميتة وقلبه حياً، قال النبي صلى الله عليه وسلم: "من أراد أن ينظر إلى ميت يمشي على وجه الأرض فلينظر إلى أبي بكر رضي الله عنه" ، فالإشارة في قوله تعالى {وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً} [النساء: 93]؛ أي: القلب والنفس؛ يعني: النفس الكافرة إذا قتلت قلباً مؤمناً متعمداً للعداوة الأصلية باستيلاء صفاتها البهيمية والسبعية والشيطانية على القلب الروحاني، وغلبت هواها عليه حتى يموت القلب، فإنها سمها القاتل، {فَجَزَآؤُهُ} [النساء: 93]؛ أي: جزاء النفس {جَهَنَّمُ} [النساء: 93]؛ وهي سفل عالم الطبيعة، {خَٰلِداً فِيهَا} [النساء: 93]؛ لأن خروج النفس عن سفل الطبيعة إنما كان بحبل الشريعة، والتمسك بحبل الشريعة إنما كان من خصائص القلب المؤمن بالله، كقوله تعالى: { ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ * إِلاَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ } [التين: 5-6]، فالإيمان والعمل الصالح من شأن القلب وصنيعته، فإذا مات القلب وانقطع عمله تخلد النفس في جهنم سفل الطبيعة أبداً، {وَغَضِبَ ٱللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ} [النساء: 93]، بأن يبعدها ويطردها عن الحضرة والقربة، ويحرمها عن إيصال الخير والرحمة إليها بخطاب { ٱرْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ } [الفجر: 28]، {وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً} [النساء: 93]، عن حضرة العلي العظيم والحرمات عن جنات النعيم.