التفاسير

< >
عرض

وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَـٰكِن يُدْخِلُ مَن يَشَآءُ فِي رَحْمَتِهِ وَٱلظَّالِمُونَ مَا لَهُمْ مِّن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ
٨
أَمِ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَآءَ فَٱللَّهُ هُوَ ٱلْوَلِيُّ وَهُوَ يُحْيِـي ٱلْمَوْتَىٰ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
٩
وَمَا ٱخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى ٱللَّهِ ذَلِكُمُ ٱللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ
١٠
فَاطِرُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً وَمِنَ ٱلأَنْعَامِ أَزْواجاً يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْبَصِيرُ
١١
لَهُ مَقَالِيدُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ
١٢
-الشورى

التأويلات النجمية في التفسير الإشاري الصوفي

{وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً} [الشورى: 8] كالملائكة المقربين { لاَّ يَعْصُونَ ٱللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ } [التحريم: 6]، أو جعلهم كالشياطين المبعدين المطرودين المتمردين، ولكن الحكمة الإلهية اقتضت أن يجعلهم مركبين من جوهري الملكي والشيطاني؛ ليكونوا مختلفين بعضهم الغالب عليه الوصف الملكي مطيعاً لله تعالى، وبعضهم الغالب عليه الوصف الشيطاني متمرداً على الله تعالى؛ ليكونوا مظاهر صفات لطفه وقهره، مستعدين لمرآة صفات جماله وجلاله، متخلقين بأخلاقه، وهذا سر قوله: { وَعَلَّمَ ءَادَمَ ٱلأَسْمَآءَ كُلَّهَا } [البقرة: 31] ومن هنا قالت الملائكة: { سُبْحَٰنَكَ لاَ عِلْمَ لَنَآ إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَآ } [البقرة: 32] ويدل على هذا التأويل قوله تعالى: {وَلَـٰكِن يُدْخِلُ مَن يَشَآءُ فِي رَحْمَتِهِ} [الشورى: 8]؛ ليكون مظهراً لصفات لطفه {وَٱلظَّالِمُونَ مَا لَهُمْ مِّن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ} [الشورى: 8]؛ ليكونوا مظهراً لصفات قهره.
وبقوله: {أَمِ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَآءَ فَٱللَّهُ هُوَ ٱلْوَلِيُّ} [الشورى: 9] يشير إلى أنه لا ولاية لأحد دونه، فالله هو متولي الأمور في الخير والشر والنفع والضر، {وَهُوَ} [الشورى: 9] الذي {يُحْيِـي ٱلْمَوْتَىٰ} [الشورى: 9]؛ أي: النفوس والقلوب، اليوم وغداً، {وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [الشورى: 9] من الإيجاد والإعدام، وبقوله: {وَمَا ٱخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى ٱللَّهِ} [الشورى: 10] يشير إلى اختلاف العلماء في شيء من الشرعيات والمعارف الإلهية، فالحكم في ذلك إلى كتاب الله وسنة رسول الله، وإجماع الأمة وشواهد القياس، أو إلى أهل الذكر، كما قال تعالى:
{ فَٱسْأَلُواْ أَهْلَ ٱلذِّكْرِ إِن كُنْتُم لاَ تَعْلَمُونَ } [النحل: 43] ولا ترجعون إلى العقول المشوبة بآفة الوهم والخيال، فإن فيها للنفس والشيطان مدخلاً بإلقاء الشبهات، وأدنى الشبهة في التوحيد كفر، وقد زلت أقدام جميع أهل الأهواء والبدع والفلاسفة عن الصراط المستقيم والدين القويم بهذه المذلة، وبقوله: {ذَلِكُمُ ٱللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ} [الشورى: 10] يشير إلى أنه إذا اشتغلت قلوبكم بحديث نفوسكم لا تدرون أبالسعادة جرى حكمكم، أم بالشقاوة مضى أسمكم؟ فكلوا الأمر إلى الله واشتغلوا في الوقت بأمر الله دون التفكير فيما ليس لعقولكم سبيل إلى معرفته وعلمه من عواقبكم.
{فَاطِرُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ} [الشورى: 11] سماوات القلوب عن معالم الغيوب، {وَٱلأَرْضِ} [الشورى: 11] أرض النفوس عن عوالم الغيوب، {جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً} [الشورى: 11] أي: خلق حواء النفس من ضلع آدم الروح لتسكن إليها، {وَمِنَ ٱلأَنْعَامِ أَزْواجاً} [الشورى: 11]؛ أي: خمر في طينتكم صفات الأنعام بأضعاف ما فيها، {يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ} [الشورى: 11] يخلقكم في وصف الأنعام لاستعداد حمل الأمانة التي ما حملها الملائكة؛ لكونهم أرواحاً مفردة، ولا الحيوانات؛ لأنها عرية في الأرواح الروحانية، وحملها الإنسان؛ لكونه مركباً من الروح الملكي والجسد الحيواني، ثم قال في هذا المعرض: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [الشورى: 11]؛ يعني: شيئاً من هذه الأشياء التي ركب منها الإنسان من جميع الموجودات، فإنه نسخة العالم بما فيه من العناصر الأربعة: النبات والحيوان، والأجرام، والنفوس، والأرواح، ثم قال: {وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْبَصِيرُ} [الشورى: 11]؛ أي: مع أنه تعالى سميع بصير والحيوان أيضاً سميع بصير ولكن لا شبه له في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أحكامه، على أن قوماً وقعوا في تشبيه ذاته بذات المخلوقين فوصفوه بالحد والنهاية والكون في المكان، وأقبح قولاً منهم من وصفه بالجوارح والآلات، وقوم وصفوه بما هو تشبيه في الصفات فظنوا أن بصره في حدقة، وسمعه في عضو، وقدرته في يد إلى غير ذلك، وقوم قاسوا حكمه على حكم عباده فقالوا: ما يكون من الخلق حسناً فمنه حسن فؤلاء كلهم أصحاب التشبيه، والحق تعالى مستحق التنزيه دون التشبيه، محقق بالتحصيل دون التعطيل والتمثيل، مستحق التوحيد دون التحديد، موصوف بصفات الكمال، مسلوب عن العيوب والنقصان، {لَهُ مَقَالِيدُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} [الشورى: 12]؛ أي: مفاتيح سماوات القلوب وفيها خزائن لطفه ورحمته، وأرض النفوس وفيها خزائن قهره وعزته، فكل قلب مخزن لنوع من ألطافه فبعضها مخزن المعرفة، وبعضها مخزن المحبة، وبعضها مخزن الشوق، وبعضها مخزن الإرادة، وغير ذلك من الأحوال والتفريد والهيبة والأنس والرضا وغير ذلك، وكل نفس مخزن لنوع من أوصاف قهره، فبعضها مخزن النكرة، وبعضها مخزن الجحود، وبعضها مخزن الإنكار، وغير ذلك من الأخلاق الذميمة كالشرك والنفاق، والحرص والكبر، والبخل والشره، والغضب والشهوة، وغير ذلك، وفائدة التعريف أن المقاليد له قطع أفكار العباد من الخلق إليه في جلب ما يريدونه ودفع ما يكرهونه، فإنه {يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [الشورى: 12] يوسع ويضيق رزق النفوس ورزق القلوب، والخلق بمعزل عن هذا الوصف.