التفاسير

< >
عرض

وَٱذْكُرُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ ٱلَّذِي وَاثَقَكُم بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ
٧
يَا أَيُّهَآ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ للَّهِ شُهَدَآءَ بِٱلْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىۤ أَلاَّ تَعْدِلُواْ ٱعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ
٨
وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ
٩
-المائدة

التأويلات النجمية في التفسير الإشاري الصوفي

{وَٱذْكُرُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ} [المائدة: 7]، التي أنعم بها، {عَلَيْكُمْ} [المائدة: 7]، في بدء الوجود بإخراجكم من ظلمة العدم إلى نور الوجود قبل كل موجود وخلقكم في أحسن التقويم بقول الدين القويم، وهداكم إلى الصراط المستقيم، واستماع خطاب ألست بربكم وجواب بلى، {وَمِيثَاقَهُ ٱلَّذِي وَاثَقَكُم بِهِ} [المائدة: 7]؛ أي: العهد الذي عاهدكم به على التوحيد والعبودية ووفقكم للسمع والطاعة {إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا} [المائدة: 7]، ولو لم تكن نعمة التوفيق لقلتم سمعنا وعصينا كما قال أهل الخذلان في العصيان {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} [المائدة: 7]، أي: اتقوا بالله عن غير الله {إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ} [المائدة: 7]، أي: بالقلوب وما فيها من الاتقاء عن الأِشياء.
ثم أخبر عن طريق الاتقاء وترك الالتجاء بقوله تعالى {يَا أَيُّهَآ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ للَّهِ} [المائدة: 8]، والإشارة أن الخطاب في قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا مع أهل الصف الأول في الميثاق الذين آمنوا بالعيان لا بالبيان كونوا قوامين، {شُهَدَآءَ بِٱلْقِسْطِ} [المائدة: 8]، فالأمر أمر التحويل والتكوين فكما خوطبوا وأمروا أن يكونوا فكانوا قائمين بالحق ناطقين بالحق شاهدين بالحق {وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىۤ أَلاَّ تَعْدِلُواْ ٱعْدِلُواْ} [المائدة: 8]، فيه معنيان أحدهما: لا يحملنكم عداوة الشيطان والنفس والهوى والدنيا على أن تظلموا وتجوروا على أنفسكم بالظلم على المسلمين، فإن الشيطان من شيمته العداوة فلا يأمر إلا بالفحشاء والمنكر ولا يضركم على أنفسكم في الدنيا والآخرة والنفس من طباعها أنها أمارة بالسوء فهي أعدى العداء، والهوى من شأنه أن يضلكم عن سبيل الله، والدنيا قد زينت لأربابها وهي رأس كل خطيئة فلا يحملنكم شنآن هذا القوم على أن تعدلوا والمعنى العالي، ولا يحملنكم حسد الحساد وعداوة الأعداء على أن تعدلوا مع أنفسكم وتظلموها بمنازعة الحساد ومناسبة الأعداء فتقعوا في ورطات الهلاك ويغلب عليكم الصفات السبعية والشيطانية.
{ٱعْدِلُواْ} [المائدة: 8]، هذا أيضاً من التلوين للقوامين بالقسط فلا يسعهم إلا العدل، وهو القيام بالاعتدال الحقيقي في العبودية والاستواء على سمت الربوبية {هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ} [المائدة: 8]، يعني: العدل بهذا المعنى أقرب إلى البقاء بالمولى مما سواه {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} [المائدة: 8]، أي: اتقوا بالله عن غير الله {إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} [المائدة: 8]، إنكم لا تقدرون على الاتقاء بالله إلا بجذبات الله.
{وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ} [المائدة: 9]، التي تصلحهم بقبول الجذبات {لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ} [المائدة: 9]، وهو جذبات لتأخذهم عنهم به إليه فافهم جيداً.