التفاسير

< >
عرض

ٱصْلَوْهَا فَٱصْبِرُوۤاْ أَوْ لاَ تَصْبِرُواْ سَوَآءٌ عَلَيْكُمْ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ
١٦
إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ
١٧
فَاكِهِينَ بِمَآ آتَاهُمْ رَبُّهُمْ وَوَقَاهُمْ رَبُّهُمْ عَذَابَ ٱلْجَحِيمِ
١٨
كُلُواْ وَٱشْرَبُواْ هَنِيئَاً بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ
١٩
مُتَّكِئِينَ عَلَىٰ سُرُرٍ مَّصْفُوفَةٍ وَزَوَّجْنَاهُم بِحُورٍ عِينٍ
٢٠
وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَٱتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَآ أَلَتْنَاهُمْ مِّنْ عَمَلِهِم مِّن شَيْءٍ كُلُّ ٱمْرِىءٍ بِمَا كَسَبَ رَهَينٌ
٢١
وَأَمْدَدْنَاهُم بِفَاكِهَةٍ وَلَحْمٍ مِّمَّا يَشْتَهُونَ
٢٢
يَتَنَازَعُونَ فِيهَا كَأْساً لاَّ لَغْوٌ فِيهَا وَلاَ تَأْثِيمٌ
٢٣
-الطور

التأويلات النجمية في التفسير الإشاري الصوفي

{ٱصْلَوْهَا} [الطور: 16] أدخلوها لتذقوا عذابها، {فَٱصْبِرُوۤاْ} [الطور: 16] في هذا البلاء {أَوْ لاَ تَصْبِرُواْ} [الطور: 16] حين لا ينفعهم الصبر؛ إذ لم تصبروا حين ينفعكم الصبر، {سَوَآءٌ عَلَيْكُمْ} [الطور: 16] أجزعتم أم صبرتم؛ {إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} [الطور: 16] في الدنيا من الخير والشر الذي تعملون في الآخرة من الصبر والخضوع والخشوع والتضرع والدعاء، فإنه لا ينفع شيء منها، والحاصل أن يقال: { ٱخْسَئُواْ فِيهَا وَلاَ تُكَلِّمُونِ } [المؤمنون: 108].
ثم أخبر عن التقى وأرباب هذه الدرجات العلا بقوله تعالى: {إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ} [الطور: 17]، يشير إلى أنهم في جنات القرب ونعيم المشاهدة في العاجل والآجل؛ إذ اتقوا بالله سواه.
{فَاكِهِينَ} [الطور: 18]، متعجبين {بِمَآ آتَاهُمْ رَبُّهُمْ} [الطور: 18] من أصناف ألطافه، {وَوَقَاهُمْ رَبُّهُمْ عَذَابَ ٱلْجَحِيمِ} [الطور: 18] جحيم نفوسهم وعذابها وشهواتها.
{كُلُواْ} [الطور: 19] من طعام المشاهدات، {وَٱشْرَبُواْ} [الطور: 19]، من شراب المكاشفات، {هَنِيئَاً بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} [الطور: 19] من أنواع المجاهدات ورعاية آداب الرياضات، فإن المجاهدات تورث المشاهدات:

فاشرب على وجهها كَغُرَّتِها مُدامةً في الكؤوس كالشَّررِ

{مُتَّكِئِينَ عَلَىٰ سُرُرٍ مَّصْفُوفَةٍ} [الطور: 20]، سرر الدرجات والقربات المفيضة في العبودية، {وَزَوَّجْنَاهُم بِحُورٍ عِينٍ} [الطور: 20]، من إنكار الحقائق الغيبية {وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ} [الطور: 21] بهذا الحديث في طلب الحق تعالى من القلب والروح، {وَٱتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم} [الطور: 21] من النفس وصفاتها {بِإِيمَانٍ} [الطور: 21] بهذا الحديث {أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ} [الطور: 21]، وإن لم يكونوا مستعدين لنيل هذه الكمالات من الوصول والوصال بالاستقلال، {وَمَآ أَلَتْنَاهُمْ مِّنْ عَمَلِهِم} [الطور: 21]؛ أي: ما ينقص من جزاء عمل القلب والروح {مِّن شَيْءٍ} [الطور: 21]، بسبب إلحاق النفس وصفاتها بهم في المقام.
{كُلُّ ٱمْرِىءٍ بِمَا كَسَبَ رَهَينٌ * وَأَمْدَدْنَاهُم} [الطور: 21-22]؛ يعني: القلب والروح {بِفَاكِهَةٍ وَلَحْمٍ مِّمَّا يَشْتَهُونَ} [الطور: 22]؛ يعني: بما هو من مشارب النفس الحيوانية؛ تقوية للروحانية وإمداداً للسير في الصفات الربانية.
{يَتَنَازَعُونَ} [الطور: 23]؛ يعني: يتعاطون القلب والروح والنفس وصفاتها، {فِيهَا} [الطور: 23]؛ أي: في مقامات السير {كَأْساً} [الطور: 23] من مشارب الروح والقلب للنفس، وكأساً من مشارب النفس للروح والقلب، {لاَّ لَغْوٌ} [الطور: 23] من أوصاف البشرية {فِيهَا} [الطور: 23] في الكاسات؛ لينزله إلى مقام النفس {وَلاَ تَأْثِيمٌ} [الطور: 23] من أوصاف الروحانية؛ لعده بطبع الروحانية في الروحانية.
تفسير عين الحياة
{ٱصْلَوْهَا إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} [الطور: 16]؛ يعني: صلوا الستار التي أنتم أوقدتموها، وأشعلتم حطب الحطام بنيرانها، {فَٱصْبِرُوۤاْ} وهو أمر على طريق الظن والاستهزاء بهم، {أَوْ لاَ تَصْبِرُواْ} وهو كلام يتكلم المتكلم به على طريق عدم الالتفات إلى حال المجرمين، { سَوَآءٌ عَلَيْكُمْ} أن تصبروا على هذه النار {أَوْ لاَ تَصْبِرُواْ}؛ لأن إخراجكم من هذه النار التي أنتم أشعلتموها في دار الكسب محال غير ممكن، هذا جزاؤكم على ما كسبتم من حطب الحطام، واجتهدتم في إيقاد النار، وبالغتم في اشتعالها بريح القوى.
{إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ} [الطور: 17] الذين اتقوا متاع الدنيا، وهو ما عده الله تعالى في كلامه؛ حيث بيَّن ما زينه الشيطان للإنسان بقوله عز وجل:
{ زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ ٱلشَّهَوَاتِ مِنَ ٱلنِّسَاءِ وَٱلْبَنِينَ وَٱلْقَنَاطِيرِ ٱلْمُقَنْطَرَةِ مِنَ ٱلذَّهَبِ وَٱلْفِضَّةِ وَٱلْخَيْلِ ٱلْمُسَوَّمَةِ وَٱلأَنْعَامِ وَٱلْحَرْثِ ذٰلِكَ مَتَاعُ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَٱللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ ٱلْمَآبِ } [آل عمران: 14]، { قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِّن ذٰلِكُمْ لِلَّذِينَ ٱتَّقَوْا } [آل عمران: 15] عن هذه الأمتعة التي ذكرناها، وعن نيران الشهوة والغضب والكبر والحسد عند ربهم جنات، كما يقول في هذه السورة {إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ * فَاكِهِينَ بِمَآ آتَاهُمْ رَبُّهُمْ} [الطور: 17-18]، من العلم النافع، الذي حملهم على التقوى من متابعة الهوى والاشتغال باللعب واللهو في جميع أمتعة الدنيا، التي هي الحطمة في العقبى.
{وَوَقَاهُمْ رَبُّهُمْ عَذَابَ ٱلْجَحِيمِ} [الطور: 18]؛ يعني: بعد أن يلهيهم الله بالعلم النافع وقاهم من العذاب بالتوفيق الذي أعطاهم الله؛ ليجتهدوا في إطفاء نيران الشهوة والغضب والكبر، وإخمادها بالماء والثلج والبرد.
{كُلُواْ وَٱشْرَبُواْ هَنِيئَاً بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} [الطور: 19]؛ يعني: {كُلُواْ} من ثمرات المعارف المختصة باللطيفة النفسية، {وَٱشْرَبُواْ} من العيون المختصة باللطيفة القلبية، {هَنِيئَاً بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} من الأعمال الصالحة الظاهرة على الجوارح، والإخلاص والصدق الباطن المختص بالقلب.
{مُتَّكِئِينَ عَلَىٰ سُرُرٍ مَّصْفُوفَةٍ} [الطور: 20] بما صفوا أسرارهم مستريحين بمشاهدة أنوارهم، {وَزَوَّجْنَاهُم بِحُورٍ عِينٍ} [الطور: 20]، بما تركوا في البحر المسجور وهو النفوس، زوجنا لطيفة حورية روحانيتهم بمعاينة صورة الذكر الخالص عن الخواطر الودية.
{وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ} [الطور: 21]، من قوى لطائفهم باللطيفة المرسلة الخفية، وما مضى عليهم من الأمور الغيبية، {وَٱتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم} [الطور: 21]؛ أي: قوى قالبيتهم ونفسيتهم {بِإِيمَانٍ} [الطور: 21]؛ يعني: ما عملوا بالجوارح الظاهرة والقوى الباطنة شيئاً ينقص حقيقة إيمانهم، من ارتكاب المناهي والاشتغال بالملاهي، والاجتراء على المعاصي مما يؤخذ صابحه وقت كشف الغطاء بالنواهي، {أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ} [الطور: 21]؛ يعني: ألحقنا باللطائف قواهم المزكاة في التمتع بالأكل والشرب وما تشتهي أنفسهم، {وَمَآ أَلَتْنَاهُمْ مِّنْ عَمَلِهِم مِّن شَيْءٍ} [الطور: 21]؛ أي: ما نقصنا من آبائهم بما أعطينا ذرياتهم، {كُلُّ ٱمْرِىءٍ بِمَا كَسَبَ رَهَينٌ} [الطور: 21]، هذه إشارة إلى أن اللطائف أجور خاصة مما يليق بحالها من معارف الحقيقة الإلهية، وللقوة المذكورة أجوراً خاصة من المعارف الحقيقة والروحية والسرية والقلبية، وللجوارح أجوراً خاصة مما يليق بها من التنعم بالنعيم المقيم، والحور العين، وما اشتهت أنفسهم في الجنة، فكل جارحة من الجوارح أو قوة من القوى أو لطيفة من اللطائف بحسب سعيها في طاعة الله تعالى في دار الكسب، يجزيها الله في دار الجزاء بمثل ما كسبت وسعت وادخرت لنفسها، كما يقول تعالى:
{ وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَىٰ } [النجم: 39]، { وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَىٰ } [النجم: 40] خيراً كانا أو شراً.
{وَأَمْدَدْنَاهُم بِفَاكِهَةٍ وَلَحْمٍ مِّمَّا يَشْتَهُونَ} [الطور: 22]، هذه أيضاً لقوى نفوسهم الباطنة، وجوارحهم الظاهرة المتحلية بالطاعة، {يَتَنَازَعُونَ فِيهَا كَأْساً لاَّ لَغْوٌ فِيهَا وَلاَ تَأْثِيمٌ} [الطور: 23]؛ يعني: يكون كؤوس استعدادات اللطائف مملوءة من شراب المشاهدة متنزهّاً من كل باطل من كل شيء يأثم به شاربه، وهذه مدخرة لهم في دار الجزاء، ينظرهم كؤوس استعداداتهم من اللغو والتأثيم والرفث والكذب والغيبة والكبر والحسد وأمثالها في دار الكسب، يتناولون في دار الجزاء كؤوس استعداداتهم المطهرة المملوءة من شراب المعرفة.