التفاسير

< >
عرض

وَٱلطُّورِ
١
وَكِتَابٍ مَّسْطُورٍ
٢
فِي رَقٍّ مَّنْشُورٍ
٣
وَٱلْبَيْتِ ٱلْمَعْمُورِ
٤
وَٱلسَّقْفِ ٱلْمَرْفُوعِ
٥
وَٱلْبَحْرِ ٱلْمَسْجُورِ
٦
إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ
٧
مَّا لَهُ مِن دَافِعٍ
٨
يَوْمَ تَمُورُ ٱلسَّمَآءُ مَوْراً
٩
وَتَسِيرُ ٱلْجِبَالُ سَيْراً
١٠
فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ
١١
ٱلَّذِينَ هُمْ فِي خَوْضٍ يَلْعَبُونَ
١٢
يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَىٰ نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا
١٣
هَـٰذِهِ ٱلنَّارُ ٱلَّتِي كُنتُم بِهَا تُكَذِّبُونَ
١٤
أَفَسِحْرٌ هَـٰذَا أَمْ أَنتُمْ لاَ تُبْصِرُونَ
١٥
-الطور

التأويلات النجمية في التفسير الإشاري الصوفي

{وَٱلطُّورِ * وَكِتَابٍ مَّسْطُورٍ} [الطور: 1-2]، يشير إلى طور النفس الذي كلم الله عليه موسى القلب؛ لشرف استماع كلام الحق عليه صار محل القسم، فأقسم الله به وبكتاب كتبه الله تعالى {فِي رَقٍّ مَّنْشُورٍ} [الطور: 3]؛ أي: في قلوب منسوبة إلى الرقة يدل عليه قوله: { كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلإِيمَانَ } [المجادلة: 22].
{وَٱلْبَيْتِ ٱلْمَعْمُورِ} [الطور: 4]، وهو سر قلوب العارفين معمور بأسرار الحق تعالى، {وَٱلسَّقْفِ ٱلْمَرْفُوعِ} [الطور: 5]، وهو الروح المرفوع درجاته إلى الحضرة، وهو سقف بيت الغلبة.
{وَٱلْبَحْرِ ٱلْمَسْجُورِ} [الطور: 6]؛ أي: بحر قلب سُجر بنار المحبة ما قسم لعزة هذه الأشياء، {إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ} [الطور: 7]؛ أي: العذاب لأهل العذاب واقع بالنقد؛ لأن أشد العذاب ذل الحجاب كان من دعاء سري السقطى: اللهم مهما عذبتني فلا تعذبني بذل الحجاب والحجاب واقع؛ فإن أعظم الحجاب حجاب النفس {مَّا لَهُ مِن دَافِعٍ} [الطور: 8] من قبل العبد؛ بل دافع حجاب النفس وهو رحمة الله تعالى، كما قال تعالى:
{ ٱلنَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِٱلسُّوۤءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّيۤ إِنَّ رَبِّي } [يوسف: 53].
وبقوله: {يَوْمَ تَمُورُ ٱلسَّمَآءُ مَوْراً} [الطور: 9]، يشير إلى سماء القلب ومورة توجهه للحق تعالى بصدق الطلب، {وَتَسِيرُ ٱلْجِبَالُ} [الطور: 10] جبال النفس {سَيْراً} [الطور: 10] إلى عالم القلب، ومنه إلى عالم الأرواح، ومنه بجذبة:
{ ٱرْجِعِي } [الفجر: 28] إلى حضرة الربوبية، {فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ} [الطور: 11] حين ظفر الطالب بالمطلوب، ووصل المحب إلى المحبوب، {لِّلْمُكَذِّبِينَ} [الطور: 11] بهذا الحديث، من ينزل الحسرات الموقدة التي قطعت على الأفئدة من فوات هذه السعادة العظمى، والحرمان عن ما وعدناكم من عذاب خوضكم في الدنيا، ولعبكم بها من الغفلة ونيران الحسرات [الزفرات] {ٱلَّذِينَ هُمْ فِي خَوْضٍ} [الطور: 12] الدنيا وشهواتها وزخارفها {يَلْعَبُونَ} [الطور: 12].
{يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَىٰ نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا} [الطور: 13] دعاء لا خلاص منها ولا رجوع، يناديهم عزة الحق تعالى: {هَـٰذِهِ ٱلنَّارُ ٱلَّتِي كُنتُم بِهَا تُكَذِّبُونَ * أَفَسِحْرٌ هَـٰذَا} [الطور: 14-15]؛ يعني الذي {أَمْ أَنتُمْ لاَ تُبْصِرُونَ} [الطور: 15] حقائق هذه المعاني.
تفسير عين الحياة.
اعلم يا طالب النور على الطور والعلم في الكتاب المسطور، والحكمة على الرق المنشور، والحقيقة في البيت المعمور، والحق على السقف المرفوع، وسر الباطن في البحر المسجور، أن هذه لطائف أودعها الله في وجودك؛ لتعرف أسرارها، ويحصل لك بها السرور والحبور في القبور، ويتنعم بتلك اللطائف بعد النشور في مرر الحور، المنكبة على أريكة المعرفة فوق القصور، ويتقن بأن قالبك هو الطور، وسرك هو الكتاب المسطور، وقلبك هو الرق المنشور، وروحك هو البيت المعمور، وصفتك هي السقف المرفوع، ونفسك هي البحر المسجور في عالم الأنفس.
والله تعالى أقسم بما في الآفاق، كما فسره المفسرون بقوله تعالى: {وَٱلطُّورِ * وَكِتَابٍ مَّسْطُورٍ * فِي رَقٍّ مَّنْشُورٍ * وَٱلْبَيْتِ ٱلْمَعْمُورِ * وَٱلسَّقْفِ ٱلْمَرْفُوعِ * وَٱلْبَحْرِ ٱلْمَسْجُورِ} [الطور: 1-6]، وعالم الآفاق ملك عالم الأنفس مظهر لصفة باطنية الحق، كما أن عالم الآفاق مظهر لصفة ظاهرية الحق تعالى، وهو تعالى عالم الغيب والشهادة، ويجوز أن يقسم بمظاهر ظاهريته وباطنيته، ولكن الطور الآفاقي لا يتعلق بك، وكل ما هو كائن في الآفاق إذا أخرجت من عالم بَذْلِك الآفاقي بقي في عالمه، ويكون بينك وبين ما فيه بعد المشرقين؛ فاطلب طوراً يكون معك بعد خروجك من عالم الآفاق، وهو طور قالبك الباقي بعد الحشر معك إما متنعماً في الجنة وإما متألماً في النار، واجتهد اليوم أن تجعله نوراً لا ظلمانياً؛ ليكون قبرك منوراً لا مظلماً مكدراً في البرزخ، ويكون مأواك الجنة لا جهنم بعد خلاصك من البرزخ، وإن لم تنوِّر طور اليوم، ولم تسكن البحر المسجور الذي سجر بنيران الشهوة والغضب والكبر، بماء الذكر والثلج والرياضة وبرد الأخلاق الحميدة.
{إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ} [الطور: 7]، ولكل لطيفة عذاب يختص بما دون غيرها، وأشد العذاب ذل الحجاب وهو أن ليس له واقع بعد الوقوع، كما يقول: {مَّا لَهُ مِن دَافِعٍ} [الطور: 8]، ولا حيلة للسالك في دفعة خاصته.
{يَوْمَ تَمُورُ ٱلسَّمَآءُ} [الطور: 9]، سماء الصدر، {مَوْراً}، {وَتَسِيرُ ٱلْجِبَالُ} [الطور: 10]، جبال قوى معدنيته {سَيْراً} [الطور: 10]، عند مشاهدته قوته القابضة النازعة، التي هي عزرائيل تقبض قوى روحانيته السارية في عودته، وينزع من ذرات وجوده اللطيفة الحيوانية، التي هي من خصائص صفات روحانيته.
{فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ * ٱلَّذِينَ هُمْ فِي خَوْضٍ يَلْعَبُونَ} [الطور: 11-12]؛ أي: يخوضون في غمرات البحر اللجي الدنيوي، ويلعبون فيها يزيدها الباطل ومتاعها القليل، ويكذبون اللطائف المستخلصة عن الأكدار المتحلية بالأنوار المرسلة إليهم بالإنذار والإيثار؛ لا شتغالهم بالدنيا الفانية، ومتاع الغرور وغفلتهم عن الآخرة الباقية، التي هي دار السرور.
{يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَىٰ نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا * هَـٰذِهِ ٱلنَّارُ ٱلَّتِي كُنتُم بِهَا تُكَذِّبُونَ} [الطور: 13-14]؛ أي: تكذبون اللطائف المرسلة إليكم الداعية لكم إلى الحق، فهذه النار التي كانت فيكم، وأنتم أشعلتموها في وجودكم، وأوقدتموها بنيران الحسد والحقد والكبر والغضب والبغض، وجمعتم لها حطب الحطام الدنيوي من الدراهم والدنانير والأموال والأملاك والمواشي، فصار المجموع حطمتكم مما تكوي جباهكم وجنوبكم.
{أَفَسِحْرٌ هَـٰذَا} [الطور: 15]، الذي يدفعكم خزية نيرانكم إليها دفعاً، ويقولون معكم: {هَـٰذِهِ ٱلنَّارُ ٱلَّتِي كُنتُم بِهَا تُكَذِّبُونَ} [الطور: 14] دار الكسب خلف الأستار، وتنكرون اللطائف المنذرة غاية الإنكار، ويستهزئون بالإنذار، فسحر هذا الذي تبصرونه اليوم، الذي كشفنا عنكم فيه الغطاء ورفعنا الأستار، أتظنون أن الذي تشاهدونه ليس حقيقة أم سحر أعينكم، {أَمْ أَنتُمْ لاَ تُبْصِرُونَ} [الطور: 15]، حقيقة.