التفاسير

< >
عرض

ٱلرَّحْمَـٰنُ
١
عَلَّمَ ٱلْقُرْآنَ
٢
خَلَقَ ٱلإِنسَانَ
٣
عَلَّمَهُ ٱلبَيَانَ
٤
ٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ
٥
وَٱلنَّجْمُ وَٱلشَّجَرُ يَسْجُدَانِ
٦
وَٱلسَّمَآءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ ٱلْمِيزَانَ
٧
أَلاَّ تَطْغَوْاْ فِي ٱلْمِيزَانِ
٨
وَأَقِيمُواْ ٱلْوَزْنَ بِٱلْقِسْطِ وَلاَ تُخْسِرُواْ ٱلْمِيزَانَ
٩
وَٱلأَرْضَ وَضَعَهَا لِلأَنَامِ
١٠
فِيهَا فَاكِهَةٌ وَٱلنَّخْلُ ذَاتُ ٱلأَكْمَامِ
١١
وَٱلْحَبُّ ذُو ٱلْعَصْفِ وَٱلرَّيْحَانُ
١٢
فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ
١٣
-الرحمن

التأويلات النجمية في التفسير الإشاري الصوفي

قدسية رحمانية إسلام أبادية مختومة بختام المسك مما ينافسه المتنافسون وفيه يرغب الراغبون، وله يزهد الزاهدون، وإليه يتوجه المتوجهون، وبه يسلك السالكون، ومعه يطرب المطربون ويرقص الراقصون، ومنه يستريح المستريحون، طوبى لمن نظر فيها بعين العبرة وانتفع منه الخير، وحمل على جند النفس حمله أهل الغيرة؛ ليخلص من بيداء الحساب ويخرج من نية الحيرة، ويخلص نفسه من رق الشيطان ويدخله في زمرة عباد الرحمن، ويقرأ سورة الرحمن ويتدبر في هذا البيان الذي جاء من حضرة القرآن، ونقش على صحيفة الجنان؛ ليشاهد حقيقة بعين العيان، ويعرف حقيقة بحق الإيمان، والله المستعان وعليه التكلان.
يا طالب علم الرحمن في القرآن: اعلم أن الله تعالى يقول: {ٱلرَّحْمَـٰنُ * عَلَّمَ ٱلْقُرْآنَ} [الرحمن: 1-2]؛ يعني: الرحمن إذا استوى على عرش الروحانية علم القرآن للأرواح الطيبة بما نقش بالقلم الخفي على ألواحهم الساذجة من علم القديم، فلما تصاعد غبار عالم الحدوث ووقع على ألواحهم خفي النقش، وما هم بقادرين على بقي الغبار ولا على غسل الألواح.
{خَلَقَ ٱلإِنسَانَ} [الرحمن: 3] الجامع، وجمع فيه المفردات العلوية والسفلية؛ ليحصل له استعداد يزيل الغبار عن الوجه ألواح، ويغسل الصور المنقوشة ليلوح فيها المعاني، كما يقول تعالى بعد ذكر خلق الإنسان: {عَلَّمَهُ ٱلبَيَانَ} [الرحمن: 4] ؛ ولهذا السر قال الله تعالى مع حبيبه:
{ فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَٱتَّبِعْ قُرْآنَهُ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ } [القيامة: 18-19]؛ لأن البيان تفصيلي والقرآن إجمالي، وليس للمخلوقات في تفاصيل المعرفة حظ إلا للإنسان، لقوة لها حصلت من امتزاج مفردات العلويات والسفليات، واختلاط الأنوار والظلمات، وهو مزاج معتدل في اللطافة والكثافة؛ ولأجل هذا صار مظهر صفات الذات.
{ٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ} [الرحمن: 5]؛ يعني: شمس النبوة وقمر الولاية على فلك وجود الإنسان، يدور بالحساب في الدائرة الأزلية والأبدية على قطب نقطة نون الرحمن، ولا يكشف هذا السر حتى يفهم قوسيته صورة في البياض والسواد، وإيصال دائرة الأزل إلى الأبد عند نزعة بواسطة وتروا، والولاية القائمة بألف الاسم الأعظم، وسر سين السهم الأسمى الذي لأجله ظهر قوس النون، ووتر الواو، وألف الاسم؛ وهو آخر حروف القوس وبه تتصل دائرة الأزل بالأبد، وبه يتم التدبير وحكمه الرجوع وحصول الصيد المقصود من إيجاد وجود كل موجود، والشروع في تحقيقه يلزم الشروع في بيان حد القرآن مما لست مأذوناً في إفشائه.
{وَٱلنَّجْمُ وَٱلشَّجَرُ يَسْجُدَانِ} [الرحمن: 6]؛ يعني: نجم أمر التدبير، وشجر سر التدبير عند عروجها على مدبرها يسجدان له ويتذللان بين يديه بالرجوع عليه، والنجم استعداد علوي نزل وقت التدبير لتربية الشجر، وهو القوة السفلية ليظهر فيعرج ثم يعرج إلى ربه، {وَٱلسَّمَآءَ رَفَعَهَا} [الرحمن: 7]؛ يعني: سماء الصدر رفعها فوق البشرية {وَوَضَعَ ٱلْمِيزَانَ} [الرحمن: 7]؛ يعني: وضع القوة المميزة العاقلة بين القوى السمائية وإعطاء الحقوق العلوية، {وَأَقِيمُواْ ٱلْوَزْنَ بِٱلْقِسْطِ} [الرحمن: 9]؛ يعني: لسان الميزان عند البيان، ينبغي أن يكون قائماً بالعدل لا يميل على جانب الإفراط والتفريط بالهوى؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
"نحن معاشر الأنبياء أمرنا أن نكلم الناس على قدر عقولهم" ، {وَلاَ تُخْسِرُواْ ٱلْمِيزَانَ} [الرحمن: 9]، إشارة إلى التفريط، كما أن قوله: {أَلاَّ تَطْغَوْاْ فِي ٱلْمِيزَانِ} [الرحمن: 8] كان إشارة إلى الإفراط.
{وَٱلأَرْضَ وَضَعَهَا لِلأَنَامِ} [الرحمن: 10]؛ يعني: أرض البشرية وضعها وفرشها وبسطها للقوى الإنسانية، {فِيهَا فَاكِهَةٌ} [الرحمن: 11] من فواكه معرفة الصفات الفعلية، {وَٱلنَّخْلُ ذَاتُ ٱلأَكْمَامِ} [الرحمن: 11]، إشارة إلى الشجرة التي هي مظهر لمعارف الصفات الذاتية؛ ولأجل هذا قال: {ذَاتُ ٱلأَكْمَامِ} [الرحمن: 11]؛ لأن شجرة الإنسان ذات الأطوار، كما أن النخل ذات الأكمام كل طورها مستور بطور آخر؛ ولأجل هذا قال صلى الله عليه وسلم:
"النخلة عمتكم" ، وهي أفق النباتات {وَٱلْحَبُّ ذُو ٱلْعَصْفِ وَٱلرَّيْحَانُ} [الرحمن: 12]؛ يعني: حب الحب المزروع في أرض البشرية؛ يعني: ذو أوراق من المكاشفات، {ذُو ٱلْعَصْفِ وَٱلرَّيْحَانُ} [الرحمن: 12] من المشاهدات؛ وهو الورق الحسن الذي يخرج من الحب، والعصف هو الورق الذي يحفظه، {فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} [الرحمن: 13]، إشارة إلى القوتين: العلوية والسفلية؛ يعني: بأي نعم ربكما أيها القوتان تكذبان، أبنعمة رفع السماء، أم بنعمة وضع الأرض تكذبان؟ أبإنزال النجم التدبيري، أم بتفريج الشجر الحكمي تكذبان؟