التفاسير

< >
عرض

إِذَا وَقَعَتِ ٱلْوَاقِعَةُ
١
لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ
٢
خَافِضَةٌ رَّافِعَةٌ
٣
إِذَا رُجَّتِ ٱلأَرْضُ رَجّاً
٤
وَبُسَّتِ ٱلْجِبَالُ بَسّاً
٥
فَكَانَتْ هَبَآءً مُّنبَثّاً
٦
وَكُنتُمْ أَزْوَاجاً ثَلاَثَةً
٧
فَأَصْحَابُ ٱلْمَيْمَنَةِ مَآ أَصْحَابُ ٱلْمَيْمَنَةِ
٨
وَأَصْحَابُ ٱلْمَشْأَمَةِ مَآ أَصْحَابُ ٱلْمَشْأَمَةِ
٩
وَٱلسَّابِقُونَ ٱلسَّابِقُونَ
١٠
أُوْلَـٰئِكَ ٱلْمُقَرَّبُونَ
١١
فِي جَنَّاتِ ٱلنَّعِيمِ
١٢
ثُلَّةٌ مِّنَ ٱلأَوَّلِينَ
١٣
وَقَلِيلٌ مِّنَ ٱلآخِرِينَ
١٤
عَلَىٰ سُرُرٍ مَّوْضُونَةٍ
١٥
مُّتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ
١٦
-الواقعة

التأويلات النجمية في التفسير الإشاري الصوفي

يا طالب معرفة الواقعة الرافعة، اعلم أن الواقعة اسم لقيامة الروح، كما أن الآزفة اسم لقيامة الخفي، والحاقة لقيامة السر، والساعة لقيامة القلب، والواقعة إذا وقعت ترفع صاحبها طوراً وتخفض طوراً، وتسير من هواها { ٱلْجِبَالُ سَيْراً } [الطور: 10]، وتمور الأرض موراً، وتفور نيران الشوق والعشق من هبوب رياح اللطف من شمال الجمال فوراً، وتشتعل نيران الشدة والغيرة من نفخ ريح سموم الجلال اشتعالاً، وتفجر حيناً أنهار المعرفة تفجيراً، وتجعل ماء الحكمة غوراً.
واقرأ سورة الواقعة من كتاب الحق حيث يقول: {إِذَا وَقَعَتِ ٱلْوَاقِعَةُ * لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ} [الواقعة: 1-2] متدبراً؛ لتفهم أن الواقعة أمر جزم لاشك في وقوعها، والسالك إذا اشتغل بالسلوك والتصفية ووصل ذكره إلى الروح يشاهد الواقعة وهي في البداية، مثل ستر أسود يجيء من فوق الرأس عند غلبة الذكر، وكلما تدبر في النزول يقع على الذكر هيبة وسكينة، وربما في البداية يغمى عليه، فأما في الوسط فإذا نزل برأسه حتى يقع على عينيه يشاهد عوالم الغيب وما فيه كما شاء الله أن يريه في تلك الواقعة، ويكشف عليه العلوم الروحانية في تلك الوقاعة، ويرى السالك عجائب وغرائب ما لا يعد ولا يحصى، فإذا أفاق من واقعته يكون كالحيوان يحكها السلكة، ويرشده مسلكه إلى ما فيه مصلحة وقته، ويصير ما هو مناسب لحوصلته، ويقوى قلبه ويأمره بالذكر والتوجه الكلي حتى يصفو سر الواقعة فيكون سراً منوراً، فكلما ينزل يجد السالك منها طمأنينة وذوقاً، وربما يصل إلى حد حتى أن السالك بعد نزولها يفتح عينه في عالم الشهادة ويشاهد مآله في الواقعة؛ وهي حالة سنية معتبرة عند أرباب السلوك.
{لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ} [الواقعة: 2]، بل هي صادقة؛ لأن الشيطان يفر من ظل الواقعة، ولا تقدر النفس أن تشكل صاحب الواقعة أصلاً؛ لأنها أظهر من أن يمكن للنفس والشيطان أن يلبسا حالها على السالك، وعندي أنها حالة حقيقة؛ وهي النقطة الحقيقة، والذي تشاهده في عالم الشهادة بالنسبة إليها حالة النوم، وفي الحقيقة كل ما يشاهده في العالم الخيالي لا حقيقة له؛ ولأجل هذا قال النبي صلى الله عليه وسلم:
"الناس نيام، فإذا ماتوا انتبهوا" ، فكن أيها النائم في نومك على حذر من حقائق الحيات والعقارب المنبثة بصور أفلاكك لكن تنتبه فتشكر الله على أنك خلصت من النوم، ولا تتنعم بصورها المزينة المزخرفة الدنيوية، لكن تنتبه بحزنك الانتباه لما رأيت الصورة المزينة الملتبسة في النوم، ولا بد من الانتباه من مشاهدة حقائق الصور المكتسبة بالأخلاق والصفات، فاجتهد في أن تجد بصرك وتكشف غطاءك في اليوم لتشاهد حقائق الصور؛ لئلا تلتفت إلى الصور المزخرفة، وتشاهد وراء الصور حقائق المعاني العقربية والنارية، والحطمة في صورة مزينة بالشهوات؛ ليتيقن بها أطفال الطيبعة وجهال قوى القالبية والنفسية، ويعاين في الصور الهائلة المزخرفة الدنيوية حقائق الحورية والخلدية والنعم الباقية، لكن يتنبه بشكر الله على خلاصك من الصور الهائلة، ووصولك إلى حقائقها وتنعمك بها أبد الآباد؛ ولأجل هذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إن الجنة حفت بالمكاره، والنار حفت بالشهوات" ، والذي يقول الله تعالى في صفة الواقعة: {خَافِضَةٌ رَّافِعَةٌ} [الواقعة: 3] تدل على هذه المعاني؛ لأنها تخفض أهل الشهوات وترفع درجات الذين تركوا الشهوات، ونظروا بعين التحقيق إلى معاني الصمد المزخرفة لا إلى صورتها، وأعرضوا عن الباطل وأقبلوا على الحق.
{إِذَا رُجَّتِ ٱلأَرْضُ رَجّاً} [الواقعة: 4]؛ يعني: زلزلت أرض البشرية من غلبة ريح الذِّكر الروحي، {وَبُسَّتِ ٱلْجِبَالُ بَسّاً} [الواقعة: 5]؛ يعني: فتت القوى المعدنية فتاً من صدمات سلطان الذِّكر الروحي، {فَكَانَتْ هَبَآءً مُّنبَثّاً} [الواقعة: 6]؛ يعني: غباراً متفرقاً بقوة النفي بالذِّكر الروحي، {وَكُنتُمْ أَزْوَاجاً ثَلاَثَةً} [الواقعة: 7]، أيتها القوى القالبية والنفسية، والقلبية والسرية، والروحية، والخفية: إنكم في تلك الحالة تتفرقون على ثلاثة فرق: أصحاب الميمنة، وأصحاب المشأمة، والسابقون كما يصفهم الله تعالى: {فَأَصْحَابُ ٱلْمَيْمَنَةِ} [الواقعة: 8]، هم أصحاب اليمن والبركة من المتيقظين في نومة الدنيا، المشاهدين حقائق الصورة بعين الإيمان، {مَآ أَصْحَابُ ٱلْمَيْمَنَةِ} [الواقعة: 8] ما أحسن حال أصحاب الميمنة بعد الخلاص من النوم، {وَأَصْحَابُ ٱلْمَشْأَمَةِ} [الواقعة: 9]، وهم أصحاب الشؤم والمنقصة من الجاهلين النائمين بنومة الغفلة في الدنيا، القاصرين نظرهم على الصور المزخرفة المزينة العاجلة، الغافلين عن حقائقها ومعاينها، {مَآ أَصْحَابُ ٱلْمَشْأَمَةِ} [الواقعة: 9]؛ يعني: ما أقبح حال أصحاب المشأمة بعد الانتباه من نومة الدنيا، {وَٱلسَّابِقُونَ ٱلسَّابِقُونَ} [الواقعة: 10]؛ يعني: السابقون الذين سبقت لهم منا الحسنى، ما زاغ بصرهم وما طغى، قدمهم عن الصراط يمينً وشمالاً؛ هم السابقون بتوجههم الصادق إلى الله تعالى، {أُوْلَـٰئِكَ ٱلْمُقَرَّبُونَ} [الواقعة: 11] من الله، {فِي جَنَّاتِ ٱلنَّعِيمِ} [الواقعة: 12]؛ أي: في حقائق ما يشاهودنها في صور الكراهة في الدنيا من المجاهدة والرياضة وترك الشهوات وما شكلها.
{ثُلَّةٌ مِّنَ ٱلأَوَّلِينَ} [الواقعة: 13]؛ يعني: يكون السابق قليلاً من القوى القالبية والنفسية، والقلبية والسرية، والروحية والخفية، {وَقَلِيلٌ مِّنَ ٱلآخِرِينَ} [الواقعة: 14]؛ يعني: أيضاً هم قليلون من القوى الخفية، كما يقول الله تعالى في موضع آخر:
{ وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ } [ص: 24] {عَلَىٰ سُرُرٍ مَّوْضُونَةٍ * مُّتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ} [الواقعة: 15-16]؛ يعني: سرر السر متواصلة من الصفات منسوجة بجوهر الوفاء وذهب الرضاء.