التفاسير

< >
عرض

قَدْ سَمِعَ ٱللَّهُ قَوْلَ ٱلَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِيۤ إِلَى ٱللَّهِ وَٱللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمآ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ
١
ٱلَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنكُمْ مِّن نِّسَآئِهِمْ مَّا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلاَّ ٱللاَّئِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنكَراً مِّنَ ٱلْقَوْلِ وَزُوراً وَإِنَّ ٱللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ
٢
وَٱلَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِن نِّسَآئِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُواْ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَآسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ
٣
فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِن قَبْلِ أَن يَتَمَآسَّا فَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً ذَلِكَ لِتُؤْمِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ
٤
إِنَّ ٱلَّذِينَ يُحَآدُّونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ كُبِتُواْ كَمَا كُبِتَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَقَدْ أَنزَلْنَآ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُّهِينٌ
٥
يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ ٱللَّهُ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوۤاْ أَحْصَاهُ ٱللَّهُ وَنَسُوهُ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ
٦
-المجادلة

التأويلات النجمية في التفسير الإشاري الصوفي

أيتها القوى القابلة المجادلة مع القوة الفاعلة المماثلة بشكل العلم أن الله يسمع تحاوركما في وجود المحارث على وفق ما يعلم بعلم القدم، والعلم يظهر ما في القدم على القدم من الحكم ولا تحسبي أن ما يقول الله تعالى في كتابه المحكم {قَدْ سَمِعَ ٱللَّهُ قَوْلَ ٱلَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِيۤ إِلَى ٱللَّهِ وَٱللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمآ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ} [المجادلة: 1] يكون سمعه مثل سمعك، وتجدد له العلم في استماع تحاوركما مما لم يكن به عالم، أو لم يكن لتحاروكما سميعاً لئلا تكفري بذات الله وصفاته تعالى وتقدس عما يصفه الكافرون والمشتهون والمعطلون.
واعلم أيها السالك أن القوة الفاعلة الروحانية ربما تسأم من القوة القابلة الجسمانية عند إيصال الذكر إلى وجوده باشتغالها بالوارد الجديد وضبطه، وجعل القوة القابلة كظهر أمها وهي اللوح فتشكو القوة القابلة إلى ربها من القوة الفاعلة المعرضة عنها، فيرحم الله على شدة حرصها على ذوق الذكر، وأوحى اللطيفة الخفية بأني سمعت تحاوركما يعني: مراجعتكما الكلام في مراجعة القوة القابلة، وإني سميع بصير أسمع مناجاة من يناجني، ويتضرع إلي وأبصر أحوال المشتكي والمشتكى عنه، وأقول {ٱلَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنكُمْ مِّن نِّسَآئِهِمْ مَّا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلاَّ ٱللاَّئِي وَلَدْنَهُمْ} [المجادلة: 2] يعني: ليس الظاهرة في حساب؛ لأنه كلام كذب تكلم به الرجل على وفق هواه من غير أن يكون له حقيقة، وليست القوة القابلة الجسمية مثل القوة القابلة الروحية في المرتبة، فكيف يكون حراماً على القوى الفاعلة الروحية، والقوى الفاعلة الروحية ليست مثل قوة العلم الفاعل؛ لأنه في قبضته تعالى وتقدس، فالواجب للقوة الفاعلة المراجعة للقوة القابلة والاشتغال بالذكر اللساني؛ ليوصل الحرارة إلى القلب الصنبوري الشكل؛ لأن هذا القلب الصنبوري الشكل مثل الفرج للقوة القابلة، واللسان مثل الذكر للقوة الفاعلة وحرارته وريحه مثل القوة التي تظهر للذكر عند النهوض في العالم الجسماني، فإن في العالم الروحاني يكون صورة الذكر التلقيني مثل الذكر والقلب الحقيقي الذي هو معدن الفقه مثل الفرج، وهلم جرا إلى أن يصل إلى اللوح والقلم ومعرفة مماثلة اللسان والذكر والقلم والألف وآدم من حد القرآن مما لايؤذن إفشاؤه.
فاعلم أن المظاهر ليست بشيء والمراجعة واجبة للقوة الفعلية؛ لأن الله تعالى يقول: {وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنكَراً مِّنَ ٱلْقَوْلِ وَزُوراً} [المجادلة: 2] يعني: منكراً الإيمان القابل في مقام النكرة اضطر إلى هذا القول المنكر لا في مقام المعرفة؛ لأن المعرفة تمنعه عن ترك الذكر اللساني ولو كان واصلاً كاملاً؛ لأن القوة ما دامت المرابطة واصلة بين الروح والبدن الاشتغال بالعبادة البدنية واجب، وتركها لصار متروكاً نعوذ بالله منه وزوراً؛ لأن القوة القابلة تحت القلم وبعبارة أخرى يسمونه العقل { وَإِنَّ ٱللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ} [المجادلة: 2] يعني: يعفو ويغفر ذنب الجاهل تحقيقه فعله إثر الذنب ويتوب بعد علمه بأن تلك الفعلة كانت ذنباً، ويكفر عن قوله كما أوجب عليه الحق كفارة لذلك القول الزور عقوبة لقائله؛ لئلا يكلم بتلك الكلمة بعد.
ثم يقول تعالى: {وَٱلَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِن نِّسَآئِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُواْ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَآسَّا} [المجادلة: 3] فالواجب على السالك أن يرجع إلى الذكر اللساني ولا يلتفت إلى ما قال وقت اشتغاله بالوارد القدسي، وعليه أن يعتق رقبة مما أسر من القوى النفسية وأسلمت على يده.
والإشارة إلى تحرير الرقبة هي أن تركه الذكر اللساني كان من أثر تلك القوة النفسية المسلمة على يد القوة الفاعلة الروحية، ولا يعرف هذه الإشياء إلا سالك واصل إلى حقائق القوى النفسية بالذكر اللساني، وإن لم يستطع السالك تحرير الرقبة.
{فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً} [المجادلة: 4] يعني: إطعام الخواطر دخلت عليه من السكينة بطعام الذكر القالبي والنفسي والقلبي والسري والروحي والخفي عشراً عشراً عدد السنين، والمراد من العشر في كل مقام أن الحواس الظاهرة والباطنة ينبغي أن تكون حاضرة وقت الذكر، فإن كانت [متغافلة] لا يحاسب به، ولا يقبل منه ولا يخرج من عهده الكفارة {ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} [المجادلة: 3] يعني: هذا الحكم أوجب عليكم ليكون لكم موعظة وعبرة وتذكرة؛ لئلا ترجعوا إلى قول الزور والمنكر الذي يلوث مجاري الذكر ويظهر فيه الضعف حتى يترك الذكر اللسان، وهذا الضعف من شؤم ما يجري على لسان السالك من الفحش، ومما لا يعنيه في دينه ودنياه {فَمَن لَّمْ يَجِدْ} [المجادلة: 4] الرقبة والطعام لفاقته {فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِن قَبْلِ أَن يَتَمَآسَّا} [المجادلة: 4] وهو السكوت عن غير الذكر القالبي والنفسي والقلبي والسري والروحي والخفي في شهرين الجسماني والروحاني من غير فترة ليظهر بذلك مجاري الذكر الكريم {فَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ} [المجادلة: 4] الصوم والإطعام لمساكين خواطر السكينة بأذكار اللطائف الستة مع حضور الحواس العشرة الظاهرة والباطنة وتحرير الرقبة {فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً} [المجادلة: 4] من مساكين حرم [الصدر] وهم أهل الصفة من نزاع القبائل اجتمعوا للذكر من قبائل قوة العناصر الأربعة والصورة والمادة الجامعة في مسجد [قبالة] الدماغ، فيجب على السالك أن يطعمهم من طعام الذكر اللساني حتى يشبعوا {ذَلِكَ لِتُؤْمِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ} [المجادلة: 4] يعني: ذلك الحكم حكمنا به ليصدقوا أمر الحق، واللطيفة الخفية {وَتِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ} [المجادلة: 4] يعني: تحرير الرقبة وإطعام المساكين والقوم ولا تحسب أيها السالك أن تكرار لفظ إطعام المساكين في عالم الأنفس بلا معنى؛ لأن الله لا يكرر لفظاً إلا وله تكراره حكمة خاصة، وأشرنا إلى بعض تلك الحكمة من قبل فاجتهد أن تفهمها {وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [المجادلة: 4] يعني: من يكفر بحدودنا ولم يصدق نبينا، ولم يؤمن بواردنا من القوى القالبية والنفسية المعاندة الكافرة يعذب بها عذاباً أليماً وقت كشف الغطاء بأن يطلع على حكمتنا المودعة في تلك الأحكام المنتجة للمؤتمر بها تعم المعارف وتجعلها سبب إنزاع الآلات والأدوات عنها بالائتمار بها عذاب خسرة الفوت، وهو أشد العذاب {إِنَّ ٱلَّذِينَ يُحَآدُّونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ} [المجادلة: 5] يعني: الكافرة والمشركة القالبية والنفسية يحادون الله واللطيفة المرسلة الخفية، ويخالفون أمر الوارد ويتعدون حدود الله {كُبِتُواْ كَمَا كُبِتَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ} [المجادلة: 5] يعني: أذلوا وأهلكوا وكبوا على وجوههم لاستكبارهم وإبائهم الحق، كما أذل وأهلك من القوى المستكبرة على اللطائف المرسلة {وَقَدْ أَنزَلْنَآ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ} [المجادلة: 5] أنفسية على السالك، فإذا لم يؤمن بها، ويكفر بنعمة الآيات النعمة الأنفسية
{ وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ } [النساء: 14].
كما يقول تعالى: {وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُّهِينٌ} [المجادلة: 5] والعذاب المهين: هو أن يكون السالك في أعين أهل الحق مهيناً ذليلاً [كثيف] على قلوبهم ثقيلاً وللقوى الكافرة أن تكون مدركة بعد اطلاعها على إهانتها على تضييع أوقات كسبها لعزة الدائمة لنفسها {يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ ٱللَّهُ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوۤاْ أَحْصَاهُ ٱللَّهُ وَنَسُوهُ} [المجادلة: 6] يوم يكشف الغطاء ويبعثهم من قبور القوالب المظلمة؛ فيجزيهم الله بأعمالهم التي أحصاها وحفظها حين نسيها عملوها {وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} [المجادلة: 6] يعني: عليم مطلع على جميع ما يصدر منهم حاضر معهم، ولكنهم لكثافة حجبهم وظلام وجودهم كانوا غافلين عنه، جاهلين بحضوره وسر معانيه، كافرين بأحكامه.