التفاسير

< >
عرض

وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ ٱللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ ٱللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً
٣
وَٱللاَّئِي يَئِسْنَ مِنَ ٱلْمَحِيضِ مِن نِّسَآئِكُمْ إِنِ ٱرْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاَثَةُ أَشْهُرٍ وَٱللاَّئِي لَمْ يَحِضْنَ وَأُوْلاَتُ ٱلأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً
٤
ذَلِكَ أَمْرُ ٱللَّهِ أَنزَلَهُ إِلَيْكُمْ وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْراً
٥
-الطلاق

التأويلات النجمية في التفسير الإشاري الصوفي

{وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ} [الطلاق: 3]، من اللطائف الخفية، والمعارف الإهلية، والتجليات الجمالية، من حيث لا يحتسب، وهذا مما جربناه كثيراً، إن لطف يصل إلى السالك وقت [يأنسه عند] نزول الوارد اللطفي، {وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ} [الطلاق: 3]، يعني: من يتوكل حال القبض ونزول البلاء، ويعلم أن القابض هو الله، والمبلي هو، ويكل أمره إليه، حسبه هو من تدبيراته التي تشوشه ولا يكون إلا ما أراد الله وقوعه.
{إِنَّ ٱللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ} [الطلاق: 3]، يعني: فنفذ قضاؤه لا محالة.
قال سيدنا علي رضي الله عنه: إن صبرت جرت عليك المقادير وأنت مأجور، وإن جزعت جرت عليك المقادير وأنت مأزور. {قَدْ جَعَلَ ٱللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً} [الطلاق: 3]، يعني: حالة القبض مقدرة، وحالة البسط مقدرة؛ فينبغي أن لا تضجر عند القبض ولا تقنط من رحمة الله، ولا تأمن حالة البسط من مكر الله وتكون بين خوف ورجاء ما دمت في سجن القلب محبوساً؛ لأن الخوف المفرط المثمر لليأس يهلك صاحبه بالكفر، والرجاء المفرط للأمن أيضاً يهلك صاحبه بالخسران؛ فالواجب للسالك أن يعلم أن الله بصير بحاله رحيم وءوف عليه، ويقول:

وكَّلت إلى المحبوب أمري كله فإن ساء أحياني، وإن شاء أتلفا

أنا العبد وما للعبد غيره، {وَٱللاَّئِي يَئِسْنَ مِنَ ٱلْمَحِيضِ مِن نِّسَآئِكُمْ إِنِ ٱرْتَبْتُمْ} [الطلاق: 4]، يعني: شككتم فلم تدروا ما عدتهن {فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاَثَةُ أَشْهُرٍ} [الطلاق: 4]، وحظ السالك من هذه الآية يعني: إذا كانت القوة القابلة في غفران إرادتها يجب مراعاتها أكثر من مراعاتها القوة القابلة التي بردت حرارتها وتوجهت قوة استعدادها إلى الانحطاط، وإن إرادة القوة الفاعلة تطليقها وتطليقها على وجه السنة وانقضاؤها بعد ثلاثة أشهر مطمئنة وملهمية ولوامية؛ فإذا رجعت القوة القابلة راكضة على عقبها إلى أماريتها تمت عدتها، {وَٱللاَّئِي لَمْ يَحِضْنَ} [الطلاق: 4]، وهي القابلة الناقص استعدادها حكمها حكم الآيسات، {وَأُوْلاَتُ ٱلأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} [الطلاق: 4]، يعني: القوة الحاملة خاطر الهوى عدتها وضع حملها، {وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ} [الطلاق: 4]، بعد الوضع ولا يلتفت إلى خاطر الهوى {يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً} [الطلاق: 4]، يعني: يسر الله أمره بالتوبة وسهل عليه سلوك الطريق.
{ذَلِكَ أَمْرُ ٱللَّهِ} [الطلاق: 5]، يعني: ما ذكر من الأحكام الحدود {أَنزَلَهُ إِلَيْكُمْ}، بالوارد الجلي {وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ} [الطلاق: 5]، ولا يشك في أحكام الوارد ويتوب إليه {يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ} [الطلاق: 5]، التي سلفت من النفور عن أمر الولي والالتفات إلى خاطر الهوى {وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْراً} [الطلاق: 5]، بأن الله - بلطفه - سيئاتهم حسنات، وهذا مما شاهدنا في أثناء السلوك دائما يذنب السالك ويخاف من ذلك الذنب يسد عليه باب المكاشفات والمشاهدات؛ [فربما] عليه أبواب المكاشفات والمشاهدات أكثر مما كان قبل حدوث ذلك الذنب، ويتفق هذا الصادق إذا اعترى عليه عجب من كثرة مجاهدته وصفاء أعماله؛ فأجرى عليه ذلك الذنب ليذهب بعجبه، ويظهر فيه الإفلاس، والمسكنة، والعجز، والاضطرار، وتعيير نفسه والنظر إليها بعين الحقارة، وكل هذا بقبول الحضرة الإلهية؛ فإذا خاف على ذنبه وأيس من نفسه وعمله يبدل الله سيئاته حسنات، ويفتح عليه أبواب المكاشفات والمشاهدات والواقعات مما يتعجب السالك من تلك الفتوحات.