التفاسير

< >
عرض

خَٰشِعَةً أَبْصَٰرُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُواْ يُدْعَوْنَ إِلَى ٱلسُّجُودِ وَهُمْ سَٰلِمُونَ
٤٣
فَذَرْنِي وَمَن يُكَذِّبُ بِهَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِّنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ
٤٤
وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ
٤٥
أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْراً فَهُمْ مِّن مَّغْرَمٍ مُّثْقَلُونَ
٤٦
أَمْ عِندَهُمُ ٱلْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ
٤٧
فَٱصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلاَ تَكُن كَصَاحِبِ ٱلْحُوتِ إِذْ نَادَىٰ وَهُوَ مَكْظُومٌ
٤٨
لَّوْلاَ أَن تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِّن رَّبِّهِ لَنُبِذَ بِٱلْعَرَآءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ
٤٩
فَٱجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ ٱلصَّالِحِينَ
٥٠
وَإِن يَكَادُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُواْ ٱلذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ
٥١
وَمَا هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ
٥٢
-القلم

التأويلات النجمية في التفسير الإشاري الصوفي

{خَٰشِعَةً أَبْصَٰرُهُمْ} [القلم: 43]؛ أي: ذليلة مهينة ينظرون إلى وجوههم المظلمة المكدرة و[أُنوفِهم] المسوَّدة، {تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ} [القلم: 43]؛ يعني يغشاهم ذل الندامة، وغضبة الحسرة، وهوان الفضيحة، {وَقَدْ كَانُواْ يُدْعَوْنَ إِلَى ٱلسُّجُودِ وَهُمْ سَٰلِمُونَ} [القلم: 43]؛ يعني: في دار الكسب عند سلامة استعداداتهم يدعون إلى طاعة الحق، وتذليل النفس بالانقياد لأمر اللطيفة المرسلة إليهم أَبَوا وطغوا وعتوا، وكذبوا اللطيفة المبلغة {فَذَرْنِي وَمَن يُكَذِّبُ بِهَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ} [القلم: 44]؛ يعني: دعني ومن يكذب بالوارد {سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِّنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ} [القلم: 44]؛ أي: يمهلهم قليلاً في رزق مكاشفاتهم النفسية ليزدادوا في إنكار اللطيفة، ويفتروا ببعض الكرامات التي هي عين المكر مما يقدر العدو على إتيان مثلها مثل المرور على الماء، والطيران في الهواء، والإسراف على الخواطر حتى يظن أنه عند الله من المكرمين، وينكر المقتدى فيأخذهم بغتة، وينزع منهم الآيات والآدوات، ويكشف عليهم أحوال زرعهم وحرثهم فصاروا عارفين بالمقتدى متحرين على فوات الوقت وضياع الاستعداد معذبين أبد الآباد، {وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ}[القلم: 45]؛ يعني: مهلتي في تلك المكاشفات والكرامات كان من كيد المتين القوي، {أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْراً فَهُمْ مِّن مَّغْرَمٍ مُّثْقَلُونَ} [القلم: 46]؛ يعني: اللطيفة المبلغة يسأل عن إبلاغها الأحكام أجراً يثقل عليهم ولم يطيعون، {أَمْ عِندَهُمُ ٱلْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ} [القلم: 47]؛ يعني: أم عندهم كتب الغيب فهم يكتبون منها.
{فَٱصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ} [القلم: 48] أيتها اللطيفة المبلغة؛ يعني: اصبري على أذاهم وتكذيبهم لكن {وَلاَ تَكُن كَصَاحِبِ ٱلْحُوتِ إِذْ نَادَىٰ وَهُوَ مَكْظُومٌ} [القلم: 48]؛ يعني: لا تكن ضجراً ولا تستعجل بالدعاء على قواك قبل نزع الآلات والأدوات عنها فربما يهتدون إلى طريق الحق، ويتوبون إلى الله ويتركون الغفلة، والكظم من أشرف الأخلاق، والصبر على الكظم أمر الدواء وأنفع لداء الحادث من الغيب والضجر.
{لَّوْلاَ أَن تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِّن رَّبِّهِ} [القلم: 49]؛ يعني: لولا أن أدركته الداخلة في النون {لَنُبِذَ بِٱلْعَرَآءِ} [القلم: 49]؛ أي: طرح بالفضاء في جوف الحوت بالولاية الحيوانية النباتية وكان محروماً من نعمة النبوة النونية، {وَهُوَ مَذْمُومٌ} [القلم: 49] يذم ويلام بنزوله وبانحطاطه من مربتة النبوية والولاية، وهذا سالك دعا على أممه على سبيل الضجارة بالعجلة وقت عروجه على معارج قلبه، ثم أخذ منه آلات الترقي بدعائه على أممه وطرح في جوف حوت الصدر فبقي فيه بحيث لا تزيد مرتبته ولا يترقى من حاله، وهذه حسرة عظيمة للسالك ولو ألهم في قلب السالك أنك وصلت إلى سدرة المنتهى منتهيك وأعطيت درجات جميع المقربين وليس لك الترقي بعد هذه المرتبة ينبغي أن يعري نفسه بنزع الآلات والأدوات عنها ووقوفها في مرتبتها؛ لأن المراتب الإنسانية والدرجات النفسانية غير منتهية إذا دخل السالك في عالم اللاهوت كل ساعة ونفس ولمحة لا يترقى فيها السالك من مقامه فهو مغبون كما قال صلى الله عليه وسلم:
"من استوى يوماه فهو مغبون كل الغبن" ، من رضي بالدون وكل ما سوى الحق فهو دون، فاحذر عن الهمة الدنية وعليك بالهمة العلية، كما قال سلطان العارفين طيفور البسطامي - قُدِّس سرّه - ليحيى بن معاذ الرازي حين سأله عن فضلات وارده الذي ورد عليه ليلة من الليالي وجاءه يحيى ورآه في تلك الحالة فقام وراءه من إقباله إلى السحر وهو على تلك الحالة فلما أفاق والتفت سلم يحيى عليه وقال: أفض ما أفاض الله عليك، فقال: لو أعطاك الله درجات جميع الأنبياء والأولياء لا تقنع بها ولا تسكت عن الطلب؛ لأن عنده أكثر منها لا يتناهى أبد الآبدين ودهر الداهرين، {فَٱجْتَبَاهُ رَبُّهُ} [القلم: 50]؛ يعني: اصطفاه بنعمة النبوة التي أعطاه إياها، {فَجَعَلَهُ مِنَ ٱلصَّالِحِينَ} [القلم: 50]؛ يعني: من اللطيفة المستخفلة عن الأباطيل الصالحة لدعوة الأمم.
{وَإِن يَكَادُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُواْ ٱلذِّكْرَ} [القلم: 51]؛ يعني: إذا أرادوا القوى الحاسدة ليحسدوا بالوارد والذي يرد عليك، ويزلقونك بأعينهم لما عظموا أمرك {وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ} [القلم: 51] لبعض القوى الجاهلة فاستعذ بالله منهم، وتيقن أنك لست بمجنون، والوارد الذي يرد عليك ما هو إلا ذكر وموعظة وغيرة لقواك، كما يقول الله تعالى: {وَمَا هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ} [القلم: 52]، فيا أيها الطالب تفسير بطن القرآن ينبغي أن تطلع أولاً على ظهر القرآن، ويستقيم ظاهرك على أوامره ونواهيه، ثم تشتغل ثانياً بتطهير باطنك لتفهم بطن القرآن بتعليم الرحمن وإلهام الملك الديان، وتطلع على معرفة حده ثالثاً في عالم الجنان، وتشرف بمشاهدة مطلعه رابعاً من غير ظن وحسبان، وهو المستعان وعليه التكلان، اللهم ثبتنا على متابعة حبيبك سيد الإنس والجان صلى الله على آله وصحبه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الفرقان.