التفاسير

< >
عرض

ٱلْحَاقَّةُ
١
مَا ٱلْحَآقَّةُ
٢
وَمَآ أَدْرَاكَ مَا ٱلْحَاقَّةُ
٣
كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بِٱلْقَارِعَةِ
٤
فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُواْ بِٱلطَّاغِيَةِ
٥
وَأَمَا عَادٌ فَأُهْلِكُواْ بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ
٦
سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً فَتَرَى ٱلْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَىٰ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ
٧
فَهَلْ تَرَىٰ لَهُم مِّن بَاقِيَةٍ
٨
وَجَآءَ فِرْعَوْنُ وَمَن قَبْلَهُ وَٱلْمُؤْتَفِكَاتُ بِالْخَاطِئَةِ
٩
فَعَصَوْاْ رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رَّابِيَةً
١٠
-الحاقة

التأويلات النجمية في التفسير الإشاري الصوفي

أيها الغالف عن القيامة السرية اعلم أن قيامته حاقة مستحاقة محاقة فيما يقول في كتابه الكريم {ٱلْحَاقَّةُ * مَا ٱلْحَآقَّةُ * وَمَآ أَدْرَاكَ مَا ٱلْحَاقَّةُ} [الحاقة: 1-3]؛ يعني: حقت القيامة الواقعة في السر الذي فيه خوارق الأمور، وحقائقها أن يعتبر بها؛ يعني: مستحاقة الوجود عن الأباطيل، ومحاقة الوجود الحادث بحيث لا يبقى إلا الوجود الحقيقي في الوجود المطلع، وفي أثر هذه القيامة قال أستاذ الطريقة الجنيد البغدادي قُدِّس سرّه: ليس في الوجود إلا الله الحاقة الأولى هي المستحاقة، والثاني نية هي المحاقة، والثالثة هي الحاقة التي تحق حقوقها وتظهر الحقائق المودعة في جميع القوى والمفردات واللطائف، ولم يطلع أحد عليها إلا بعد الوصول إليها، ومطالعتها عياناً، {كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بِٱلْقَارِعَةِ} [الحاقة: 4]؛ يعني: كذبت قوى اللطيفة القارعة؛ يعني: كذبت قوى اللطيفة القالبية والنفسية العادية المتعدية المكذبة لطائفها المنذرة لها بالقارعة، وهو قيامة القلب حتى نزل لهم العذاب الذي هو علامة القارعة في الدنيا.
{فَأَمَّا ثَمُودُ} [الحاقة: 5]؛ يعني: قومه وقوى اللطيفة القالبية، {فَأُهْلِكُواْ بِٱلطَّاغِيَةِ} [الحاقة: 5]؛ أي: بطغيانهم هلكوا حين سلط الله عليهم عين طاغيتهم من كدورات تراب قالبهم، والأخلاق نشأت من خواص التراب مثل الكبارة والجهل والمذلة وأمثالها {وَأَمَا عَادٌ فَأُهْلِكُواْ بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ} [الحاقة: 6]؛ يعني: سلط الله عليهم حين عتوهم الحاصل من ريح قالبهم المكدرة بظلمات الحظوظ الهودية، والأخلاق التي ظهرت منها مثل الإباء عن الحق والاستنكاف عن قبول الحق ومتابعة الهوى.
{سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً} [الحاقة: 7]؛ يعني: سلط الريح عليهم سبع ليل حاصلة من ظلمات ما افترقت لسبعة أغصانهم مما زين لهم الشهوات من النساء والبنين، والذهب والفضة، والخيل المسومة والأنعام والحرث اللاتي هن متاع الحياة الدنيا، وبها يقدر الشيطان أن يزين الدنيا في عيون ابن آدم، وفي وجودك أشار إلى النساء بالقوة القابلة، والبنين بالقوة المتولدة والخواطر التي نتجت من القوى القابلة، والذهب والفضة بالاستعدادات المعدنية القالبية، والخيل المسومة والأنعام والحرث بالاستعدادات الحيوانية والنباتية والنفسية، وثمانية أيام ظاهرة من ثمان صفات التي وهبها الله تعالى لبني آدم ليطيع بها الحق ويستعملها في معرفة الحق؛ وهي الحياة، والسمع، والبصر، والكلام، والعلم، والإرادة، والقدرة، والحكمة، فاستعمالها في معرفة الحياة وهي الحياة في الباطل والحظوظ، وبالغ في النكران والكفران فبريح ظنونهم الباطلة العاتية أهلكهم الله في سبع ليال مظلمة حاصلة من استعمال سبعة أغصانهم في طلب الباطل، وثمانية أيام مكدرة بدخان الهوى من استعمال ثمان صفاتهم من متابعة الهوى ومخالفة المولى، {حُسُوماً} [الحاقة: 7]؛ أي: متتابعة؛ لأنهم بهذه الأعضاء والصفات تتابعوا في معصية الله تعالى وكانوا غافلين عن ذكر الله، ولا يذكرونه لا كثيراً ولا قليلاً، {فَتَرَى ٱلْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَىٰ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ} [الحاقة: 7]؛ يعني: في تلك الليالي والأيام ترى وجودهم الحاصل من حظوظ الباطل [ساقط] لكل مثل {أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ} [الحاقة: 7]؛ أي: ساقط من شدة الريح مما لا يكون أصله محكماً؛ يعني: وجودهم وجود إنسان ولأصل هذا شبهت بالنخلة ولكن ما كانت نخلة، وجودهم أصيلاً عريقاً في أرض الإيمان
{ ٱجْتُثَّتْ } [إبراهيم: 26] قوة الأرض { مَا لَهَا مِن قَرَارٍ } [إبراهيم: 26] فقلعتها ريح ظنونهم الكاذبة بالحق العاتية للحق عن أصلها خاوية خالية عن الحق.
{فَهَلْ تَرَىٰ لَهُم مِّن بَاقِيَةٍ} [الحاقة: 8]؛ يعني: ترى اليوم من تلك القوى والخواطر أثراً {كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِٱلأَمْسِ} [يونس: 24] {وَجَآءَ فِرْعَوْنُ وَمَن قَبْلَهُ وَٱلْمُؤْتَفِكَاتُ بِالْخَاطِئَةِ} [الحاقة: 9]؛ يعني: اللطيفة القالبية الغير المستخلصة عن الأباطيل في الوجود الحادث وقواها الخاطئة المؤتفكة، {فَعَصَوْاْ رَسُولَ رَبِّهِمْ} [الحاقة: 10]؛ أي: عصوا اللطيفة المطهرة المرسلة إليهم، {فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رَّابِيَةً} [الحاقة: 10]؛ أي: زائدة على عذاب من قبلهم؛ لأن ماء وجودهم طغى الحق، وحصل لهم من ماء وجودهم محبة الدنيا، وشرب وجودهم ماء حبة الدنيوية، بحيث [كان] الشبع في وجودهم مجاري الشيطان، ويدخل في عروقهم لاتساع مجاريهم، وظهر لهم من ماء وجودهم أخلاق كريهة مثل طول الأمل والأماني الباطلة، واستسقاء الحرص والكسالة في الطاعة وأمثالها يسلطها الله عليهم.