التفاسير

< >
عرض

قَالَ ٱهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي ٱلأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَىٰ حِينٍ
٢٤
قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ
٢٥
يَٰبَنِيۤ ءَادَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاساً يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ وَرِيشاً وَلِبَاسُ ٱلتَّقْوَىٰ ذٰلِكَ خَيْرٌ ذٰلِكَ مِنْ آيَاتِ ٱللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ
٢٦
يَابَنِيۤ ءَادَمَ لاَ يَفْتِنَنَّكُمُ ٱلشَّيْطَانُ كَمَآ أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِّنَ ٱلْجَنَّةِ يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْءَاتِهِمَآ إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا ٱلشَّيَاطِينَ أَوْلِيَآءَ لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ
٢٧
وَإِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً قَالُواْ وَجَدْنَا عَلَيْهَآ آبَاءَنَا وَٱللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَأْمُرُ بِٱلْفَحْشَآءِ أَتَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ
٢٨
-الأعراف

التأويلات النجمية في التفسير الإشاري الصوفي

{قَالَ ٱهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي ٱلأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ} [الأعراف: 24]؛ يعني: للنفس والقلب والروح في أرض البدن مقام وتمنع في الشريعة باستعمال الطريقة للوصول إلى الحقيقة، {إِلَىٰ حِينٍ} [الأعراف: 24] تصير النفس فيه مطمئنة فتستحق لخطاب: { ٱرْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ } [الفجر: 28]، من الهبوط وت دفع بعد السقوط كما قيل:

إِنَّ الأُمُورَ إِذا انْسدَّتْ مَسالِكُها فالصَّبْرُ يَفْتَحُ منها كُلَّ ما ارْتَتَجَا
لا تَيْأَسَنَّ وإِن طالَتْ مُطالَبةُ إِذا اسْتَعَنْتَ بصَبْرٍ أَنْ تَرَى فَرَجا
أَخْلِقْ بذِى الصَّبْرِ أَنْ يَحْظَى بحاجَتِهِ ومُدْمِنِ القَرْعِ للأَبْوابِ أَنْ يَلِجَا

{قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ} [الأعراف: 25]؛ أي: في المحبة، وصدق الطلب، وقرع باب الفزع بالصبر والثبات على العبودية، {وَفِيهَا تَمُوتُونَ} [الأعراف: 25] في طلب الحق على جادة الشريعة بإقدام الطريقة، {وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ} [الأعراف: 25] إلى عالم الحقيقة يدل عليه قوله صلى الله عليه وسلم: "كما تعيشون تموتون، وكما تموتون تحشرون" .
ثم أخبر عن منِّه على الناس باللباس بقوله تعالى: {يَٰبَنِيۤ ءَادَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاساً} [الأعراف: 26] إلى قوله: {مَا لاَ تَعْلَمُونَ} [الأعراف: 28]، الإشارة فيها: أن لكل جزء من أجزاء الإنسان لباساً يواري سوءة ذلك الجزء من ظاهره وباطنه، فقال تعالى: {يَٰبَنِيۤ ءَادَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاساً يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ} فهو لباس الشريعة فيواري سوءة الأفعال القبيحة بأحكام الشريعة في الظاهر سوءة الصفات الذميمة النفسانية والحيوانية بآداب الطريقة في الباطن.
{وَرِيشاً} [الأعراف: 26]؛ يعني: وليكون الشريعة زينة وجمالاً لكم في الظاهر والباطن، {وَلِبَاسُ ٱلتَّقْوَىٰ} [الأعراف: 26]، والتقوى: هو لباس القلب والروح والسر الخفي، فلباس القلب من التقوى: هو الصدق في طلب المولى فيواري به سوءة الطمع في الدنيا وما فيها، ولباس الروح من التقوى: هو محبة المولى فيواري به سوءة التعلق بغير المولى، ولباس السر من التقوى: هو رؤية المولى فيواري بها رؤية غير المولى، ولباس الخفي من التقوى: إبقاؤه بهوية المولى فيواري بها هويته وهوية غير المولى؛ ولهذا قال: ذلك خير؛ لأن لباس البدن بالفتوى وهو شريعة إلباس القلب بالتقوى وهو حقيقة.
{ذٰلِكَ مِنْ آيَاتِ ٱللَّهِ} [الأعراف: 26]؛ أي: أنزل الشريعة والحقيقة مما يدل عليه المولى، {لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ} [الأعراف: 26]؛ لكي يذكروا عزمهم عن لباس الوجود في عالم الشهود، {يَابَنِيۤ ءَادَمَ لاَ يَفْتِنَنَّكُمُ ٱلشَّيْطَانُ} [الأعراف: 27] بالدنيا وما فيها ولا يضلنكم عن سبيل الله بإتباع الهوى،
{ زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ ٱلشَّهَوَاتِ مِنَ ٱلنِّسَاءِ وَٱلْبَنِينَ } [آل عمران: 14]، فيخرجكم عن جنة الصدق في طلب الحق، {كَمَآ أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِّنَ ٱلْجَنَّةِ يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا} [الأعراف: 27] من الشرع وذلك نهيهما عن شجرة المحبة {لِيُرِيَهُمَا سَوْءَاتِهِمَآ} [الأعراف: 27] مخالفة وما علما أن فيها هذه الصفة ومن جملة سوءاتهما كل كمال ونقصان كان مستوراً فيهما فأراهما بعد تناول الشجرة، {إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ} [الأعراف: 27]؛ يعني: من الروحانيين الذين لا صورة لهما في الظاهر، فإنهم يرون بنظر الملكوتي الروحاني من الإنسان بعض الأفعال التي تتولد من أوصاف البشرية كما رؤوا في آدم { قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ ٱلدِّمَآءَ } [البقرة: 30] من حيث البشرية التي هي منشأ الصفات الحيوانية، وإنكم محجوبون بهذه الصفات عن رؤيتهم لا من حيث الروحانية التي هي منشأ العلوم للأسماء والمعرفة، فإنهم لا يرونكم في هذا المقام وأنتم ترونهم بنظر الروحاني بل النور الرباني.
{إِنَّا جَعَلْنَا ٱلشَّيَاطِينَ أَوْلِيَآءَ لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ} [الأعراف: 27]؛ أي: خلقناهم مستعدين لتولية أمور أهل الغفلة والطبيعة الذين لا إيمان لهم بالله وطلبه ولا بالوصول إليه؛ ليزينوا لهم زخارف الدنيا وشهواتها، {وَإِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً} [الأعراف: 28] وهي طلب الدنيا وجهاً والحرص على جمعها، فإن أفحش الفواحش حب الدنيا؛ لأنه رأس كل خطيئة؛ والمعنى: إذا وقع أهل الغفلة في طلب الدنيا وزينتها والتمتع بها بتلقين الشيطان وتدبيره وتزينه، فيدعوهم داعٍ إلى الله وطلبه وترك الدنيا وطلبها.
{قَالُواْ وَجَدْنَا عَلَيْهَآ آبَاءَنَا} [الأعراف: 28]؛ يعني: على محبة الدنيا وشهواتها، {وَٱللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا} [الأعراف: 28]؛ أي: بطلبها بالكسب والحلال، {قُلْ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَأْمُرُ بِٱلْفَحْشَآءِ} [الأعراف: 28]؛ أي: لا يأمر بحب الدنيا والحرص على جمعها، وإنما يأمر بالكسب الحلال بقدر الحاجة الضرورية لقوام القالب بالقوة واللباس؛ ليقوم بأداء حقوق العبودية، {أَتَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} [الأعراف: 28]؛ أي: تفترون على الله ما لا تعلمون آفته ووبال عاقبته، ولا تعلمون أن ذلك من فتنة الشيطان وتزينه وإغوائه.