التفاسير

< >
عرض

لاَ أُقْسِمُ بِيَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ
١
وَلاَ أُقْسِمُ بِٱلنَّفْسِ ٱللَّوَّامَةِ
٢
أَيَحْسَبُ ٱلإِنسَانُ أَلَّن نَّجْمَعَ عِظَامَهُ
٣
بَلَىٰ قَادِرِينَ عَلَىٰ أَن نُّسَوِّيَ بَنَانَهُ
٤
بَلْ يُرِيدُ ٱلإِنسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ
٥
يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ ٱلْقِيَامَةِ
٦
فَإِذَا بَرِقَ ٱلْبَصَرُ
٧
وَخَسَفَ ٱلْقَمَرُ
٨
وَجُمِعَ ٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ
٩
يَقُولُ ٱلإِنسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ ٱلْمَفَرُّ
١٠
-القيامة

التأويلات النجمية في التفسير الإشاري الصوفي

يا صاحب النفس اللوامة ويا أيها السائل عن يوم القيامة ما أعددت له من الكرامة؛ لأنه يوم مكرم، بحيث صار محلاً للقسم ما قال في كتابه المعظم: {لاَ أُقْسِمُ بِيَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ * وَلاَ أُقْسِمُ بِٱلنَّفْسِ ٱللَّوَّامَةِ} [القيامة: 1-2]؛ أي: أقسم بهما والسر الذي قرنهما أن كل من وصل إلى قيامته اليوم تصير نفسه الأمارة لوامة، بحيث تلوم صاحبها في كل حركة وسكون يصدر منه على خلاف أمر الحق، ولا تحسب أن القيامة بعيده عنك، بل لو كشف الغطاء غطاؤك لشاهدت القيامة أقرب إليك من شراك نعلك، ولوامتها دالة على ظهور نور القيامة في باطنك، وهذه الملامة تنفع لصاحبها ما دامت معها آلات الكسب لتعتذر وتتوب إلى الله؛ فأما بعد نزع الآلة عنها لا تنفع ملامتها إلا ندامة وحسرة وعذاباً، والنفس المؤمنة اللوامة تلوم صاحبها في الدنيا، والنفس الكافرة اللوامة تلوم صاحبها في العقبى.
{أَيَحْسَبُ ٱلإِنسَانُ أَلَّن نَّجْمَعَ عِظَامَهُ} [القيامة: 3]؛ يعني: يظن الإنسان أنا لا نقدر على جمع العظام البالية بعد تفريقها، أما ترى في المغناطيس الذي خلقناه في الدنيا وهو حجر جسماني ظلماني وأودعنا فيه خاصية جذب المتفرقات وجمعها، ومثاله بيِّن في عالم الشهادة إذا سحق الحديد سحقاً وتفرق أجزاؤه في حائط ثم أقيم المغناطيس على رأس الحديد المسحوق المتفرق، كيف يجمع المتفرقات بقدرتنا ويضم بعضها إلى بعض؟ فما ظن الكافر بالروح الإنساني وخاصيته إذا أمرنا أن ينظر إلى أجزاء قالبه المتفرقة لا يقدر أن يجمعها، وخاصية الروح الإنساني اللطيف العلوي لا يكون أقل من الحجر الجسماني الكثيف السفلي.
{بَلَىٰ قَادِرِينَ عَلَىٰ أَن نُّسَوِّيَ بَنَانَهُ} [القيامة: 4] معناه بلى قادرين على جمع العظام كما كنا قادرين على تسوية بنانه من نطفة لا عظم فيها ولا شكل لها، فسوينا البنان وسخرناه للإنسان أن يستعمله فيما شاء، أفلا نقدر على أن نجمع العظام البالية؟ بلى نجمع عظامه التي بها كان ذا قوة واقترف ذنوبا عظاماً كما سوينا بنانه ليعد ذنوبه، ويشهد على صاحبه بما استعمله وهو عدة، {بَلْ يُرِيدُ ٱلإِنسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ * يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ ٱلْقِيَامَةِ} [القيامة: 5-6]؛ يعني: يكذب الكافر الجاهل ما كنا نعد أيامه من الحساب والجزاء، ويريد أن يعمل على وفق مشتهاه يسأل متى يكون القيامة استهزاء واستخفافاً يقول الله تعالى: {فَإِذَا بَرِقَ ٱلْبَصَرُ} [القيامة: 7]؛ أي: شخص بصر الرجل عند كشف الغطاء ويرى ما بعده اللطيفة المبلغة، {وَخَسَفَ ٱلْقَمَرُ} [القيامة: 8]؛ أي: أظلم ضوء قمر قلبه في ليل قالبه، {وَجُمِعَ ٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ} [القيامة: 9]؛ أي: جمع شمس روحه وقمر قلبه في عالم نفسه؛ ليرى بضوء شمس روحه أن هؤلاء أعد الله تعالى للقوى العلوية المستكبرة الروحانية التابعة للهوى القوى السفلية على وفق هواها، وهذا الحال مما يشاهد الأغلال والإنكار التي كسبتها القوى السفلية على وفق هواها، وهذا الحال مما يشاهد السالك في أثناء سلوكه، فينبغي أن يتيقن بأنه من علامات القيامة التي قامت بالموت الاختياري، {يَقُولُ ٱلإِنسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ ٱلْمَفَرُّ} [القيامة: 10] لشدة ما يشاهده في ذلك اليوم.
فأما السالك في هذه الحالة يلتجئ إلى كشف ولاية شيخه، أو يعتصم بحبل ذكر الله الذي لقنه شيخه، أو يلوذ بأذيال ولاية بنيته وكل أحد على مقدار توجهه وصدقه وغلبة الذكر وولاية شيخه أو ولاية بنيته، يفر من تلك الأهوال إلى ما يغلب عليه في تلك الحالة، ويتوجه إليه في تلك الساعة من الذكر، أو الإرادة لشيخه، أو الاتصال لولاية بنيته.