التفاسير

< >
عرض

كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ
١٤
كَلاَّ إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ
١٥
ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُواْ ٱلْجَحِيمِ
١٦
ثُمَّ يُقَالُ هَـٰذَا ٱلَّذِي كُنتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ
١٧
كَلاَّ إِنَّ كِتَابَ ٱلأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ
١٨
وَمَآ أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ
١٩
كِتَابٌ مَّرْقُومٌ
٢٠
يَشْهَدُهُ ٱلْمُقَرَّبُونَ
٢١
إِنَّ ٱلأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ
٢٢
عَلَى ٱلأَرَآئِكِ يَنظُرُونَ
٢٣
تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ ٱلنَّعِيمِ
٢٤
يُسْقَوْنَ مِن رَّحِيقٍ مَّخْتُومٍ
٢٥
-المطففين

التأويلات النجمية في التفسير الإشاري الصوفي

{كَلاَّ} [المطففين: 14]؛ أي: ليس الأمر على ما زعمتم {بَلْ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ} [المطففين: 14]؛ أي: طبع الله على قلوبهم بالذنوب التي اقترفتها القوى حتى يكتب على لوح وجودهم ظلمة الجهل والظلم، ويبطل استعداد اللوحية ليغرس الصور الهائلة التي هي ثمرة أعماله الفاسدة الثابتة عليه، روى أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إن المؤمن إذا أذنب كانت نكتة سوداء في قلبه، فإن تاب ورجع واستغفر صقل قلبه منها، وإن زاد زادت حتى يعلو قلبه، فذلك الران الذي ذكره الله في كتابه: {كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ}" ، وأصل الرين الغلبة؛ يعني: غلبت عليهم شقوتهم لغلبة الظلمة على لوح وجودهم مما كسبت أيديهم وكتبت على اللوح بخط أعمالهم حتى اسود اللوح من المعاصي، ومات القلب لفوات استعداد قابلية الرحمة من الحق. {كَلاَّ إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ} [المطففين: 15]؛ يعني: القوى الفاجرة، والألواح المسودة بنقوش المعاصي عن رحمة ربهم ولقائه محجوبون بالحجاب الذي كسبوا في دار الكسب {ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُواْ ٱلْجَحِيمِ} [المطففين: 16] الذي كسبوها وعملوها عملاً وعمروها وبالغوا في تعميق قربها وإشعال نارها {ثُمَّ يُقَالُ هَـٰذَا ٱلَّذِي كُنتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ}[المطففين: 17]، يقال لهم: القوى الملهمة التي تلهم القوى الأمارة بالخير وهي تكذبها، وتقول: كيف نترك لذاتها العاجلة التي تشاهدها لقولك ووعدك لنا بدار لا نشاهدها، فقوله لهم في ذلك اليوم: {هَـٰذَا ٱلَّذِي كُنتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ} [المطففين: 17]؛ يعني: هذه الدار التي بها تكذبون في الدنيا، وهذا جزاء أعمالكم التي كنتم عاملين لها في دار كسبكم، {كَلاَّ إِنَّ كِتَابَ ٱلأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ} [المطففين: 18]؛ أي: حقاً أن محل كتاب الأبرار لفي عليين؛ أي: لفي مرتبة الملائكة التي يصلون إليها في الملكوت الأعلى ويضعون فيها كتاب الأبرار وليس فوقها لهم سبيل؛ لأن ذلك المقام أعلى عليين الروحانية ولا يمكن التجاوز لأحد من ذلك المقام إلا بالجذبة، {وَمَآ أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ} [المطففين: 19] عليون محل كتاب الأبرار؛ وهو {كِتَابٌ مَّرْقُومٌ * يَشْهَدُهُ ٱلْمُقَرَّبُونَ} [المطففين: 20-21] من أعلى عليين ويفرحون بذلك الكتاب.
{إِنَّ ٱلأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ} [المطففين: 22] الذين كسبوا في دار الكسب بالقوة القالبية والنفسية، والقلبية والسرية، والروحية والخفية، حتى رقم في وجودهم عين ذلك النعيم، {عَلَى ٱلأَرَآئِكِ يَنظُرُونَ} [المطففين: 23] على أريكة الرحمة ينظرون إلى جزاء أعمالهم وإلى نقوش ألواحهم، {تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ ٱلنَّعِيمِ} [المطففين: 24]؛ لأن وجوههم كانت مبصرة من نور كسبوه في دار الكسب {يُسْقَوْنَ مِن رَّحِيقٍ} المحبة {مَّخْتُومٍ} [المطففين: 25].