التفاسير

< >
عرض

وَمَا كَانَ ٱلْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفَّةً فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي ٱلدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوۤاْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ
١٢٢
يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ قَاتِلُواْ ٱلَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِّنَ ٱلْكُفَّارِ وَلْيَجِدُواْ فِيكُمْ غِلْظَةً وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلْمُتَّقِينَ
١٢٣
وَإِذَا مَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَـٰذِهِ إِيمَاناً فَأَمَّا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ
١٢٤
وَأَمَّا ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْساً إِلَىٰ رِجْسِهِمْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كَافِرُونَ
١٢٥
أَوَلاَ يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَّرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لاَ يَتُوبُونَ وَلاَ هُمْ يَذَّكَّرُونَ
١٢٦
وَإِذَا مَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ نَّظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ هَلْ يَرَاكُمْ مِّنْ أَحَدٍ ثُمَّ ٱنصَرَفُواْ صَرَفَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُم بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ
١٢٧
-التوبة

التأويلات النجمية في التفسير الإشاري الصوفي

ثم أخبر عن نفي النفر بقوله تعالى: {وَمَا كَانَ ٱلْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفَّةً} [التوبة: 122] والإشارة فيه أن الله تعالى يندب خواص عباده بقوله تعالى: {فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ} [التوبة: 122] إلى رحلة الصورة والمعنى، ففي طلب أهل الكمال والكاملين المكملين الواصلين الموصلين، كما ندب موسى إلى الرحلة في طلب الخضر - عليهما السلام -{لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي ٱلدِّينِ} [التوبة: 122] ليتفقهوا في السير إلى الله تعالى، والسير بالله، والسير في الله، وأمَّا رحلة المعنى فلمّا كان حال إبراهيم عليه السلام قال: { إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَىٰ رَبِّي } [الصافات: 99]، فهو السير من القالب وصفاته إلى القلب وصفاته، ومن القلب وصفاته إلى الروح إلى التخلق بأخلاق الله بقدم فناء أوصافه، وهو السير إلى الله، ومن أخلاق الله إلى ذات الله بقدم فناء ذاته بتجلي صفات الله وهو السير بالله، ومن أنانيته إلى هويته ومن هويته في ألوهيته إلى أبد الآباد وهو السير في الله بالله من الله، وتقدس فقال: {فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ} أي: فهلا نفر من كل قوم وقبيلة وبلدة وقرية، {مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ} من خواصهم ومستعديهم للطلب، {لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي ٱلدِّينِ} أي: ليتعلموا السير إلى الله من السائرين الواصلين إليه.
{وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ}[التوبة: 122] أي: ليعلموا القوم المستعدين لطلب الله المحبين المحبوبين الذين خصهم الله بالمحبة من بين خليقته، بقوله تعالى:
{ فَسَوْفَ يَأْتِي ٱللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ } [المائدة: 54] إنكم القوم الموعودون من الله بالإتيان من المحبين والمحبوبين، {إِذَا رَجَعُوۤاْ إِلَيْهِمْ} [التوبة: 122] أي: بعد الوصول مأمورين بالرجوع إلى الخلق بالدعوة والتربية، {لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ} [التوبة: 122] من غير الله ويرغبون إليه، وأيضاً يحذرون الحرمان عن الوصول إلى الله تعالى.
ثم أخبر عن القتال في طلب الكمال بقوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ قَاتِلُواْ ٱلَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِّنَ ٱلْكُفَّارِ} [التوبة: 123] إلى قوله: {لاَّ يَفْقَهُونَ} [التوبة: 127]، {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} أي: صدقوا محمداً صلى الله عليه وسلم فيما دلكم إلى الله بإذنه، {قَاتِلُواْ ٱلَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِّنَ ٱلْكُفَّارِ} أي: جاهدوا كفار النفس وصفاتها بمخالفة هواها وتبديل صفاتها وحملها على طاعة الله والمجاهدة في سبيله، فإنها تحجبك عن الله، {وَلْيَجِدُواْ فِيكُمْ غِلْظَةً} [التوبة: 123] هي عزيمة صادقة في فنائها بترك شهواتها ولذاتها ومستحسناتها ومنازعاتها في هواها وحملها على المتابعة في طلب الحق، {وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلْمُتَّقِينَ} [التوبة: 123] بجذبة الوصول لتبقوا به عمَّا سواه.
{وَإِذَا مَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَـٰذِهِ إِيمَاناً} [التوبة: 124] يشير إلى أن من علامات النفاق ما لا يظهر في القلب الاستهزاء، فإنهم يقولون على طريق الاستهزاء بالقرآن وبمن آمن به، ثم أجابهم الله تعالى: {فَأَمَّا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} [التوبة: 124] أي: بما أنزل من القرآن، {فَزَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ} [التوبة: 124] يشير إلى أن في كل سورة وآية وكلمة وحرف من القرآن نور، فالمؤمن إذا صدق النبي فيما جاء به من القرآن ينتقل النور من القرآن المنزل بطريق تصديقه إلى قلب المؤمن، فيضم إلى نور الإيمان فيزداد الإيمان المتمكن في القلب، وهذا يدل على أن الإيمان بكل حرف وآية من القرآن يزيد في إيمان المؤمن بقدر ازدياد الإيمان يزداد نوره في القلب.
{وَأَمَّا ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ} [التوبة: 125] مرض القلب ظلمة شكه ونفاقه وكفره وهو ضد سلامته وسلامة القلب خلوة من الظلمة لحصول النور فيه، {فَزَادَتْهُمْ رِجْساً إِلَىٰ رِجْسِهِمْ} [التوبة: 125] أي ظلمة إلى ظلمتهم؛ لأنه إن كان في الإيمان بكل حرف وآية من القرآن نور، فكذلك في الإنكار والكفر بكل حرف وآية من القرآن ظلمة، فيضم إلى ظلمة الكفر والإنكار المتمكن به في القلب المريض فيزيد في مزيد رجس كفرهم ونفاقهم، {وَمَاتُواْ وَهُمْ كَافِرُونَ} [التوبة: 125] يشير إلى أن موت القلب مودع في الكفر والنفاق.
ثم أخبر عن موت القلب بقوله تعالى: {أَوَلاَ يَرَوْنَ} [التوبة: 126] كل، {أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ} [التوبة: 126] بالبلاء والمصائب، {فِي كُلِّ عَامٍ مَّرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ} [التوبة: 126] وهذه الفتنة موجبة لانتباه القلب الحي نظيره قوله تعالى:
{ وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِّنَ ٱلْعَذَابِ ٱلأَدْنَىٰ دُونَ ٱلْعَذَابِ ٱلأَكْبَرِ } [السجدة: 21].
وقوله تعالى:
{ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَىٰ لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ } [ق: 37] أي: قلب حي، {ثُمَّ لاَ يَتُوبُونَ} [التوبة: 126] إلى الله، {وَلاَ هُمْ يَذَّكَّرُونَ} [التوبة: 126] ويتعظون من قلوبهم ميتة والقلب الميت لا يرجع إلى الله ولا يؤثر فيه نصح الناصحين كما قال تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: { إِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ ٱلْمَوْتَىٰ } [النمل: 80]، وقال تعالى: { لِّيُنذِرَ مَن كَانَ حَيّاً } [يس: 70] أي: من كان قلبه حياً.
ثم أخبر عن أمارات القلوب الميتة فقال تعالى: {وَإِذَا مَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ نَّظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ} [التوبة: 127] بالإنكار عليها والإنكار من أمارات موت القلب، كما أن التصديق والإقرار من أمارات حياة القلب، {هَلْ يَرَاكُمْ مِّنْ أَحَدٍ} [التوبة: 127] أي يقول رآكم أحد في مقام الإنكار والنفاق يريدون به النبي صلى الله عليه وسلم؛ يعني: نحن ننكر القرآن ومحمد بالرسالة فهل يرى محمد إنكارنا على رسالته وعلى القرآن؟ فإنه إن كان رسولاً يرانا بنور رسالته ويخبره الله عن حالنا، {ثُمَّ ٱنصَرَفُواْ} [التوبة: 127] على هذه الحسبان والغرور؛ لأنه {صَرَفَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُم} [التوبة: 127] بإنكارهم وحسبانهم عن الإيمان ورؤية الحق بأنهم؛ أي: ذلك الصرف، {بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ} [التوبة: 127] أي: ليس له فقه القلب من أمارات حياته وهو رؤية الحق وحياة القلب بالنور كما قال تعالى:
{ أَوَ مَن كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَٰهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي ٱلنَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي ٱلظُّلُمَٰتِ } [الأنعام: 122]، فافهم جدّاً.