التفاسير

< >
عرض

وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ عُزَيْرٌ ٱبْنُ ٱللَّهِ وَقَالَتْ ٱلنَّصَارَى ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ ٱللَّهِ ذٰلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبْلُ قَاتَلَهُمُ ٱللَّهُ أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ
٣٠
ٱتَّخَذُوۤاْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ ٱللَّهِ وَٱلْمَسِيحَ ٱبْنَ مَرْيَمَ وَمَآ أُمِرُوۤاْ إِلاَّ لِيَعْبُدُوۤاْ إِلَـٰهاً وَاحِداً لاَّ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ
٣١
يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُواْ نُورَ ٱللَّهِ بِأَفْوَٰهِهِمْ وَيَأْبَىٰ ٱللَّهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ ٱلْكَٰفِرُونَ
٣٢
هُوَ ٱلَّذِيۤ أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِٱلْهُدَىٰ وَدِينِ ٱلْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ ٱلْمُشْرِكُونَ
٣٣
يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّ كَثِيراً مِّنَ ٱلأَحْبَارِ وَٱلرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ ٱلنَّاسِ بِٱلْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلَّذِينَ يَكْنِزُونَ ٱلذَّهَبَ وَٱلْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ
٣٤
-التوبة

التأويلات النجمية في التفسير الإشاري الصوفي

ثم أخبر عن حال النفوس الملهمة بقوله تعالى: {وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ عُزَيْرٌ ٱبْنُ ٱللَّهِ} [التوبة: 30] إلى قوله: {وَلَوْ كَرِهَ ٱلْمُشْرِكُونَ} [التوبة: 33]، {وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ عُزَيْرٌ ٱبْنُ ٱللَّهِ} [التوبة: 30] يشير إلى تهود النفس، وعزير القلب، وذلك لأن النفس خلقت من ملكوت العناصر الأربعة، وهي ظلمانية سفلية محجوبة عن الله تعالى، وهي ظلومة جهولة، والقلب خلق من الملكوت الأعلى، ولهذا الستر هو بين أصبعين من أصابع الرحمن أي: بين صفتي اللطف والقهر والجمال والجلال، وهو نوراني علوي ومهبط أنوار الحق ومورد الواردات والمواهب الربانية ومعدن اللدنية ومظهر صفات اللطف والقهر ومنح علم.
{ وَعَلَّمَ ءَادَمَ ٱلأَسْمَآءَ كُلَّهَا } [البقرة: 31] انعكس من مرآة القلب آثار أنوار الواردات والمعارف الصادرة عن الحضرة على النفس المظلمة نورت وألهمت عن القلب بتلك المعارف والعلوم التي هي بمعزل عنها تقول القلب ابن الله كما قالت اليهود لمَّا سمعت، والعلوم التي هي بمعزل عنها عزير ابن الله.
{وَقَالَتْ ٱلنَّصَارَى ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ ٱللَّهِ} [التوبة: 30] يشير بالنصارى إلى القلب الغلف الذي هو ممكن مرض حب الدنيا ونعيمها، وبالمسيح إلى الروح المشرف باختصاص إضافة من روح المفرز بنفحة الحق، وذلك الروح ربما يتجلى للقلب في صفة الربوبية والخلافة مقترباً بتجلي صفاة إبداع الحق، ومبدعية الروح مع كمال قربه واختصاصه بالحق عند بقاء تصرف الخيال فيتخيل القلب نسبة الأبوة والنبوة بين الله والعبد؛ إذ النبوة أخص التعلقات بالوالد، وإذا كوشف العبد بهذا الابتلاء ينسب الروح بأنها إنزال الله، ولهذا السر أزال الحق سبحانه وتعالى هذه الشبهة مع سورة الإخلاص بقوله:
{ لَمْ يَلِدْ } [الإخلاص: 3].
{ذٰلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ} [التوبة: 30] أي ليسوا على تحقيق في هذا القول، {يُضَاهِئُونَ قَوْلَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبْلُ} [التوبة: 30] يوافقون قول النفوس الكافرة الكاذبة قبل إيمان القول والأرواح، {قَاتَلَهُمُ ٱللَّهُ أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ} [التوبة: 30] يكذبون، {ٱتَّخَذُوۤاْ} [التوبة: 31] أي: النفوس.
{أَحْبَارَهُمْ} [التوبة: 31] أي: قلوبهم، {وَرُهْبَانَهُمْ}[التوبة: 31] أي: أرواحهم، {أَرْبَاباً مِّن دُونِ ٱللَّهِ وَٱلْمَسِيحَ ٱبْنَ مَرْيَمَ} [التوبة: 31] يشر إلى الخفي الذي فوق الأرواح، وهو استولد منه بنفحة الحق كما تولد عيسى عليه السلام عن مريم - رضي الله عنها - بنفحة الحق، وإنما اتخذت النفوس القلوب والأرواح والخفاء أرباباً؛ لأن الخفي هو أول مظهر الفيض الإلهي الذي منه التربية، ثم الروح، ثم القلب، ثم النفس، ثم القالب، فالنفس من قصر نظرها ترى منشأ تربيتها القلب، فتتخذه رباً ثم يرتقي نظرها إلى أن ترى التربية من الخفي ففتخذه رباً من دون الله، فإن نظرها لا يرتقي إلى أن ترى الحق تعالى، فإن رؤية الحق من شأن القلب لا من شأن النفس كقوله تعالى:
{ مَا كَذَبَ ٱلْفُؤَادُ مَا رَأَىٰ } [النجم: 11].
{وَمَآ أُمِرُوۤاْ إِلاَّ لِيَعْبُدُوۤاْ إِلَـٰهاً وَاحِداً} [التوبة: 31] أي: ليروا مصدر الأمور ومنشأ الأفاعيل والمعبود الحقيقي إلهاً واحداً صمداً لا شيرك له، {لاَّ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ} [التوبة: 31] أي: لا معبود سواه، {سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} [التوبة: 31] يجعلون له أنداداً من الدنيا وما فيها، ومن الآخرة وما فيها؛ يعني: هو منزه عن كل شريك أثبتته النفوس، فإن من شيم النفوس اتخاذ الهوى والدنيا والشيطان إلهاً، {يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُواْ نُورَ ٱللَّهِ بِأَفْوَٰهِهِمْ} [التوبة: 32] أي: هوى النفوس إطفاء النور الإلهي بأفواه استيفاء الشهوات واللذات الجسمانية عن مصابيح الروحانية.
{وَيَأْبَىٰ ٱللَّهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ} [التوبة: 32] يعني من سنة الله لا يسلط النفوس على القلوب المنورة بنور الله؛ ليطفئوا أنوار الله، بل من سنته أن يتم نوره الذي رش على الأرواح في بدء الخلقة؛ لقوله صلى الله عليه وسلم:
"إن الله خلق الخلق ثم رش عليهم من نوره فمن أصابه ذلك النور فقد هدى ومن أخطأه فقد ضل" فإتمام ذلك النور المرشش بالاهتداء.
{وَلَوْ كَرِهَ ٱلْكَٰفِرُونَ} [التوبة: 32] أي: ولو كرهت النفوس الكافرة، {هُوَ ٱلَّذِيۤ أَرْسَلَ رَسُولَهُ} [التوبة: 33] وهو النور المرشش، {بِٱلْهُدَىٰ} [التوبة: 33] أي: بالهداية.
{وَدِينِ ٱلْحَقِّ} [التوبة: 33] أي: بطلب الحق يعني: ومن طلب الحق واهتدى إليه إنما كان بهداية النور المرشش ولو لم يكن ذلك النور ما اهتدى إلى الله أحد؛ لقوله تعالى:
{ وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ ٱللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِن نُورٍ } [النور: 40].
{لِيُظْهِرَهُ عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِ} [التوبة: 33] أي: ليظهر النور المرشش في طلب الحق على طلب غيره كله، {وَلَوْ كَرِهَ ٱلْمُشْرِكُونَ} [التوبة: 33] ولو كرهت النفوس المشركة ترك ما سوى الله لطبعها؛ لأن من طبعها طلب غير الله وهو إشراكها بالله.
ثم أخبر عن أحبار غير أخيار بقوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّ كَثِيراً مِّنَ ٱلأَحْبَارِ} [التوبة: 34] الآيتين: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} بأسرارهم ولم يتمكن الإيمان من سرائرهم، {إِنَّ كَثِيراً مِّنَ ٱلأَحْبَارِ} أي: القلوب، {وَٱلرُّهْبَانِ} [التوبة: 34] أي: الأرواح: {لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ ٱلنَّاسِ بِٱلْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ} [التوبة: 34] أي: يتمتعون من حظوظ النفس بطالة وخسارة؛ لأن حظوظ القلب والأرواح من المطالعات الروحانية والمشاهدات الربانية والأحوال السنية العلوية.
{وَٱلَّذِينَ يَكْنِزُونَ ٱلذَّهَبَ وَٱلْفِضَّةَ} [التوبة: 34] وهم الذي يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ حرصاً وطمعاً في الاستمتاع من حظوظ النفوس، {وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} [التوبة: 34] ليقطعوا مسافة البعد عن الله تعالى بقدمي ترك الدنيا وقمع الهوى، {فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} [التوبة: 34] وهو عذاب البعد والقطيعة.