التفاسير

< >
عرض

وَٱلتِّينِ وَٱلزَّيْتُونِ
١
وَطُورِ سِينِينَ
٢
وَهَـٰذَا ٱلْبَلَدِ ٱلأَمِينِ
٣
لَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَانَ فِيۤ أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ
٤
ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ
٥
إِلاَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ
٦
فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِٱلدِّينِ
٧
أَلَيْسَ ٱللَّهُ بِأَحْكَمِ ٱلْحَاكِمِينَ
٨
-التين

التأويلات النجمية في التفسير الإشاري الصوفي

يا ساكن البلد الأمين، وآكل ثمرة اليقين من شجرة التين، اعلم أن الله أقسم بالتين وهو الثمرة اليقينية الذاتية الوجودية اللاهوتية، وبالزيتون وهو الثمرة العينية الصفاتية الجبروتية، وبطور سينين بفله الملكوتي الذي هو جبل مضى صفاؤه وسناؤه من سناء سبحات الجلال عليه بترتيب أمر النطق؛ وهو جبل ختم الله طينه بيدي لطفه وقهره في أربعين درجة، لاهوتية وجبروتية وملكوتية وناسوتية عشراً عشراً في صباح حاجز بين ظلمة العالم الجسماني وضياء العالم الروحاني، وبه يتم تدبير الأمر وهو المقصود من تجلي الذات وإبراز الصفات وإصدار الأفعال وإظهار الآثار؛ لأن الله تعالى أدرج { كُنْ } [آل عمران: 47] كون ذلك الجبل جوهر اللطيفة العارفة المعرفة الشاهد المشهودة للمرآتية، وهو القلب.
{ٱلْبَلَدِ ٱلأَمِينِ} [التين: 3]؛ أي: المأمون من دخول الشيطان فيه، بيت الله الحرام الذي قال في كتابه:
{ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً } [آل عمران: 97] من عذاب الفرقة، والدخول في هذا البيت الحرام على النفس الملوثة بمحبة الدنيا الملطخة بمشتهياتها واتباعها على وفق الهوى المكدرة باشتغال بما سوى الحق تعالى، والحق يقسم بذاته وصفاته وأفعاله وآثاره في كلامه بقوله تعالى: {وَٱلتِّينِ وَٱلزَّيْتُونِ * وَطُورِ سِينِينَ * وَهَـٰذَا ٱلْبَلَدِ ٱلأَمِينِ * لَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَانَ فِيۤ أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ} [التين: 1-4]؛ يعني: جمعنا فيه الحقائق اللأهوتية، والدقائق الجبروتية، والرقائق الملكوتية، والشقائق الناسوتية.
{ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ} [التين: 5]؛ يعني: رددناه إلى أسفل سافلين الطبيعة للابتداء، {إِلاَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ} [التين: 6] لأجل هذا الترديد؛ لأنهم صدقوا اللطيفة الخفية، وآمنوا بالحق واستعملوا قواهم في الأعمال الصالحات، فلهم أجر على هذه الأعمال التي عملوا لله {غَيْرُ مَمْنُونٍ} [التين: 6]؛ أي: غير مقطوع أبد الآباد، وكان ردنا إياهم وقت التدبير إلى {أَسْفَلَ سَافِلِينَ} [التين: 5] الطبيعة ليكتسبوا القوى الصالحة، وتعرج إلى ربها مع حصول المعارف على سبيل التفضيل، ويجتازوا عن درجة الروحانيين، ويكونوا مرآة لوجه الله تعالى الملك الكريم من كمال عنايتنا بهم واصطفائهم بالمرآتية من بين المخلوقات.
{فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِٱلدِّينِ} [التين: 7]؛ يعني: فما يكذبك الشيطان بعد هذا التقدير، وكشف سر التدبير وحكمة العروج إلى الرب القدير {بِٱلدِّينِ} [التين: 7] الذي هو فطرتك الخفية، أتظن أن الله خلقكم عبثاً؟! أتحسب أن الله تعالى جمع فيك المفردات وركبك من لطائف المفردات العلوية والسفلية بالهزل؟! وإنك لا ترجع إليه {أَلَيْسَ ٱللَّهُ بِأَحْكَمِ ٱلْحَاكِمِينَ} [التين: 8]؟!
يعني أن الحكم الحقيقي للحاكم القادر لا يفعل فعلاً عبثاً، ولا يخلق شيئاً باطلاً فخلقه لك {فِيۤ أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ} [التين: 4]، ثم رده إياك إلى {أَسْفَلَ سَافِلِينَ} [التين: 5] [لم] يكن من غير حكمة، ولا يكون بعد هذا الرد رجوعك إليه، ولا ينفي منك لطيفة باقية تتنعم وتتألم بعد خراب البدن، فكل نفس تكون مطمئنة تؤمن وتقول: بلى وأنا من الشاهدين على أنك أحكم الحاكمين، ولا يمكن أن يصدر منك فعل غير حق وعمل غير متقن، خلقنا لمظهرية صفات لطفك وقهرك، وأودعت فينا لطيفة مستحقة؛ لتكون مرآة لذاتك، فطوبى لمن آمن بحقيتك وعمل عملاً صالحاً على مرآة وجوده بتصقيلها وإقامتها محاذاة الوجه بعد إخراج الحديد من الجبل، وبناء البلد الأمين الذي فيه مسكن المعمّلة، وغرس الأشجار المثمرة؛ ليضيء بضياء نور مروج في دهن الزيت {ٱلْبَلَدِ ٱلأَمِينِ} [التين: 3]، فيطلع في بستانه على ثمرة المعرفة الذاتية ويجتنبها ويأكلها ويصل إلى لطيفة ذوقها، اللهم أذقنا معرفتك الذاتية بمحمد صلى الله عليه وسلم.