التفاسير

< >
عرض

وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلاۤ أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ ٱلسُّوۤءَ وَٱلْفَحْشَآءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا ٱلْمُخْلَصِينَ
٢٤
-يوسف

مجمع البيان في تفسير القرآن

القراءة: قرأ أهل المدينة والكوفة المخلصين بفتح اللام والباقون بكسر اللام في جميع القرآن.
الحجة: قال أبو علي حجة من كسر اللام قوله
{ أخلصوا دينهم لله } [النساء: 146] ومن فتح اللام فيكون بنى الفعل للمفعول به ويكون معناه ومعنى من كسر اللام واحد فإذا أخلصوا دينهم فهم مخلصون وإذا أخلصوا فهم مخلَصون.
اللغة: الهمّ في اللغة على وجوه منها العزم على الفعل كقوله تعالى
{ إذ همَّ قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم } [المائدة: 11] أي أرادوا ذلك وعزموا عليه ومنه قول ضابئ البرجمي:

هَمَمْتُ وَلَم أَفْعَلْ وَكِدْتُ وَلَيْتَني تَرَكْتُ على عُثْمانَ تَبْكي حَلائلُهُ

وقول حاتم طيء:

وَللَّهِ صَعْلُـوكٌ يشــاور هَمَّـــه وَيَمْضي عَلَى الأيّامِ وَالدَّهْرِ مُقْدِما

وقول الخنساء:

وَفَضَّل مِرْداساً عَلَى النَّاسِ جُمْلَةً وَإنْ كُــلّ هَـمّ هَمَّـهُ فَهْــوَ فاعِلُهُ

ومنها خطور الشيء بالبال وإن لم يقع العزم عليه كقولـه { إذ همَّت طائفتان منكم أن تفشلا والله وليُّهما } [آل عمران: 122] يعني أن الفشل خطر ببالهم ولو كان الهم ههنا عزماً لما كان الله وليهما لأن العزم على المعصية معصية ولا يجوز أن يكون الله وليُّ من عزم على الفرار عن نصرة نبيه عليه وآله السلام ويقوِّي ذلك قول كعب بن زهير:

فَكَــمْ فيهِـم مِنْ فارِسٍ مُتَــوَسِّعٌوَمِنْ فاعِلٍ لِلْخَيْرِ إنْ هَمَّ أوْ عَزَمَ

ففرَّق بين الهمّ والعزم ومنها أن يكون بمعنى المقاربة قالوا همَّ فلان أن يفعل كذا أي كاد يفعله قال ذو الرمة:

أَقُولُ لِمَسْعُودٍ بِجَرْعاءَ مالِكٍوَقَدْ هَمَّ دَمْعي أَنْ تَلِجَّ أوائلُه

والدمع لا يجوز عليه العزم ومعناه كاد وقارب وقال أبو الأسود الدؤلي:

وَكُنْتَ مَتى تَهْمَمْ يَمينُكَ مَرَّةً لِتَفْعَــلَ خَيْــراً تَقْتَفيها شِمالُكا

وعلى هذا جاء قوله جداراً يريد أن ينفض أي يكاد وقال الحارثي:

يُريدُ الرُّمْحُ صَدْرَ أَبِي بَـراءٍ وَيَرْغَبُ عَنْ دِماء بَني عَقِيلِ

ومنها الشهوة ونيل الطباع يقول القائل فيما يشتهيه ويميل طبعه إليه هذا أهمُّ الأشياء إليَّ وفي ضدّه ليس هذا من همّي وإذا كانت معاني الهم في اللغة مختلفة يجب أن ينفي عن نبي الله يوسف (ع) ما لا يليق به وهو العزم على القبيح لأن الدليل قد دلَّ على أن الأنبياء لا يجوز المعاصي والقبائح عليهم وأجزنا عليهم ما سواه من معاني الهم لأن كل واحد من ذلك يليق بحاله.
المعنى: {ولقد همَّت به وهمَّ بها لولا أن رأى برهان ربه} اختلف العلماء فيه على قولين أحدهما: أنه لم يوجد من يوسف ذنب كبير ولا صغير والآخر: أنه وجد منه العزم على القبيح ثم انصرف عنه فأما الأولون فإنهم اختلفوا في تأويل الآية على وجوه أحدها: أن الهمّ في ظاهر الآية قد تعلق بما لا يصح تعلق العزم به على الحقيقة لأنه قال ولقد همَّت به وهمَّ بها فعلَّق الهم بهما وذاتاهما لا يجوز أن يرادا ويعزم عليهما لأن الموجود الباقي لا يصح أن يراد ويعزم عليه فإذا حملنا الهم في الآية على العزم فلا بدَّ من تقدير أمر محذوف يتعلق العزم به وقد أمكن أن نعلق عزمه (ع) بغير القبيح ونجعله متناولاً لضربها أو دفعها عن نفسه فكأنه قال ولقد همت بالفاحشة منه وأرادت ذلك وهم يوسف (ع) بضربها ودفعها عن نفسه كما يقال هممت بفلان أي بضربه وإيقاع مكروه به وعلى هذا فيكون معنى رؤية البرهان أن الله سبحانه أراه برهاناً على أنه إن أقدم على ما همَّ به أهلكه أهلها أو قتلوه أو ادعت عليه المراودة على القبيح وقذفته بأنه دعاها إليه وضربها لامتناعها منه فأخبر سبحانه أنه صرف عنه السوء والفحشاء اللذين هما القتل وظن اقتراف الفاحشة به ويكون التقدير لولا أن رأى برهان ربه لفعل ذلك ويكون جواب لولا محذوف كما حذف فيه قولـه تعالى
{ ولولا فضل الله عليكم ورحمته وأن الله رؤوف رحيم } [النور: 20] وقولـه { كلا لو تعلمون علم اليقين } [التكاثر: 5] أي لولا فضل الله لهلكتم ولو تعلمون علم اليقين لم يلهكم التكاثر ومثله قول امرئ القيس:

وَلَوْ أَنَّهــا نفْسٌ تَمُوتُ سَويَّـةً وَلكِنَّها نَفْــسٌ تُساقِطُ أَنْفَسا

يريد فلو أنها نفس تموت سوية لنقضت وفنيت فحذف الجواب تعويلاً على أن الكلام يقتضيه وعلى هذا يكون جواب لولا محذوف يدل عليه قوله {وهمَّ بها} ولا يجوز أن يكون قوله {وهمَّ بها} جواباً للولا لأن جواب لولا لا يتقدم عليه.
وثانيها: أن يحمل الكلام على التقديم والتأخير ويكون التقدير ولقد همَّت به ولولا أن رأى برهان ربه لهمَّ بها ولما رأى برهان ربه لم يهمّ بها ويجري ذلك مجرى قولهم قد كنت هلكت لولا أني تداركتك وقد كنت قلت لولا أني خلصتك والمعنى لولا تداركي لهلكت ولولا تخليصي إياك لقتلت وإن كان لم يقع هلاك وقتل ومثله قول الشاعر:

فَلا يَدْعُني قَوْمي لِيَوْمٍ كَريهَـــةٍ لَئِنْ لَمْ أُعَجّلْ ضَرْبَةً أَوْ أُعَجَّلِ

وقال آخر:

فَلا يَدْعُني قَوْمي صَريحاً لِحُرَّةٍ لَئِنْ كُنْتُ مَقْتُولاً وَيَسْلَم عامِرُ

وفي القرآن { إن كادت لتبدي به لولا أن ربطنا على قلبها } [القصص: 10] وهذا الوجه اختاره أبو مسلم وهو قريب من الأول وثالثها: أن معنى قولـه {همَّ بها} اشتهاها ومال طبعه إلى ما دعته إليه وقد يجوز أن تسمى الشهوة همّاً على سبيل التوسع والمجاز ولا قبح في الشهوة لأنها من فعل الله تعالى وإنما يتعلق القبح بالمشتهى. وقد روي هذا التأويل عن الحسن قال: أما همّها فكان أخبث الهمّ وأما همُّه فما طبع عليه الرجال من شهوة النساء وروى الضحاك عن ابن عباس أنه قال: همّها القصد وهمّه أنه تمناها أن تكون زوجة له وعلى هذا الوجه فيجب أن يكون قولـه {لولا ان رأى برهان ربه} متعلقاً بمحذوف أيضاً كأنه قال: لولا أن رأى برهان ربه لعزم أو فعل.
(سؤال) قالوا: إن قوله {ولقد همت به وهمّ بها} خرجا مخرجاً واحداً فلم جعلتهم همّها به متعلقاً بالقبيح وهمّه بها متعلقاً بغير القبيح وجوابه أن الظاهر لا يدل على ما تعلق به الهم فيهما جميعاً وإنما أثبتنا همّها به متعلقاً بالقبيح لشهادة القرآن والآثار به ولأنها ممن يجوز عليه فعل القبيح والشاهد لذلك من الكتاب قولـه {وراودته التي هو في بيتها عن نفسه} وقوله {وقال نسوة في المدينة امرأة العزيز تراود فتاها عن نفسه قد شغفها حباً إنا لنراها في ضلال مبين} وقوله: حكاية عنها {الآن حصحص الحق أنا راودته عن نفسه وإنه لمن الصادقين} ولقد راودته عن نفسه فاستعصم والشاهد من الآثار اجماع المفسرين على أنها همَّت بالمعصية والفاحشة.
وأما يوسف (ع) فقد دلَّت الأدلة العقلية التي لا يتطرق إليها الاحتمال والمجاز على أنه لا يجوز أن يفعل القبيح ولا يعزم عليه فأما الشاهد من القرآن على أنه ما همَّ بالفاحشة فقولـه سبحانه {كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء} وقولـه {ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب} وغير ذلك من قولـه {قلن حاش لله ما علمنا عليه من سوء} والعزم على الفاحشة من أكبر السوء وأما الفرقة الأخرى فإنهم قالوا فيه ما لا يجوز نسبته إلى الأنبياء فقال بعضهم: إنه قعد بين رجليها وحلَّ تكة سراويله. وقال بعضهم حل السراويل حق بلغ الثنن وجلس منها مجلس الرجل من امرأته وقد نزَّهه الله سبحانه عن ذلك كله بقولـه {كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء} وأمثال ذلك مما عددناه.
فأما البرهان الذي رآه فقد اختلف فيه على وجوه أحدها: أنه حجة الله سبحانه في تحريم الزنى والعلم بالعذاب الذي يستحقه الزاني عن محمد بن كعب والجبائي وثانيها: أنه ما آتاه الله سبحانه من آداب الأنبياء وأخلاق الأصفياء في العفاف وصيانة النفس عن الأدناس عن أبي مسلم وثالثها: أنه النبوة المانعة من ارتكاب الفواحش والحكمة الصارفة عن القبائح روي ذلك عن الصادق (ع) ورابعها: أنه كان في البيت ثم فألقت المرأة عليه ثوباً فقال (ع): إن كنت تستحين من الصنم فأنا أحق إن أستحي من الواحد القهار عن علي بن الحسين زين العابدين (ع) وخامسها: أنه اللطف الذي لطف الله تعالى به في تلك الحال أو قبلها فاختار عنده الامتناع عن المعاصي وهو ما يقتضي كونه معصوماً لأن العصمة هي اللطف الذي يختار عنده التنزه عن القبائح والامتناع من فعلها.
ويجوز أن يكون الرؤية ههنا بمعنى العلم كما يجوز أن يكون بمعنى الإِدراك فأما ما ذكر في البرهان من الأشياء البعيدة بأن قيل: إنه سمع قائلاً يقول يا بن يعقوب لا تكونن كالطير له ريش فإذا زنى ذهب ريشه. وقيل: إنه رأى صورة يعقوب عاضاً على أنامله. وقيل: إنه رأى كفاً بدت فيما بينهما مكتوباً عليها النهي عن ذلك فلم ينته فأرسل الله سبحانه جبريل (ع) وقال: أدرك عبدي قبل أن يصيب الخطيئة فرآه عاضاً على أصبعه فكل هذا سوء ثناء على الأنبياء مع أن ذلك ينافي التكليف ويقتضي أن لا يستحق على الامتناع من القبيح مدحاً ولا ثواباً وهذا من أقبح القول فيه (ع) {كذلك لنصرف عنه السوء} أي كذلك أريناه البرهان لنصرف عنه السوء أي الخيانة {والفحشاء} أي ركوب الفاحشة. وقيل: السوء الإِثم والفحشاء الزنا {إنه من عبادنا المخلصين} أي المصطفين المختارين للنبوة وبكسر اللام المخلصين في العبادة والتوحيد أي من عبادنا الذين أخلصوا الطاعة لله وأخلصوا أنفسهم له وهذا يدل على تنزيه يوسف وجلالة قدره عن ركوب القبيح والعزم عليه.