التفاسير

< >
عرض

إِنَّ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً
٩
وأَنَّ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً
١٠
وَيَدْعُ ٱلإِنْسَانُ بِٱلشَّرِّ دُعَآءَهُ بِٱلْخَيْرِ وَكَانَ ٱلإِنْسَانُ عَجُولاً
١١
وَجَعَلْنَا ٱلَّيلَ وَٱلنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَآ آيَةَ ٱلَّيلِ وَجَعَلْنَآ آيَةَ ٱلنَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُواْ عَدَدَ ٱلسِّنِينَ وَٱلْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلاً
١٢
-الإسراء

مجمع البيان في تفسير القرآن

اللغة: مبصرة أي مضيئة منيرة نيرة قال أبو عمرو أراد تبصر بها كما يقال ليل نائم وسر كاتم وقال الكسائي العرب تقول أبصر النهار إذا أضاء وقيل المبصرة التي أهلها بصراء فيها كما يقال رجل مخبث أي أهله خبثاء ومضعف أي أهله ضعفاء ولا يكتب الواو في يدعُ في المصحف وهي ثابتة في المعنى.
الإعراب: إن لهم أجراً كبيراً فتح أنّ على تقدير حذف الباء أي يبشرهم بأن لهم الجنة وأن الثانية معطوفة عليها ولو كسرت على الاستئناف لجاز وإن لم يقرأ به أحد وأعتدنا أصله أعددنا فقلبت إحدى الدالين تاءً فراراً من التضعيف إلى حرف من مخرج الدال وكل شيء منصوب بفعل مضمر يفسّره ما بعده وهو قوله فصلناه والتقدير وفصلنا كل شيء.
المعنى: {إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم} معناه أن هذا القرآن يهدي إلى الديانة والملة والطريقة التي هي أشد استقامة يقال هذه الطريق وللطريق وإلى الطريق, وقيل معناه يرشد إلى الكلمة التي هي أعدل الكلمات وأصوبها وهي كلمة التوحيد وقيل يهدي إلى الحال التي هي أعدل الحالات وهي توحيد الله والإيمان به وبرسله والعمل بطاعته عن الزجاج {ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم} أي بأن لهم {أجراً كبيراً} أي ثواباً عظيماً على طاعاتهم.
{و} يبشّرهم أيضاً بـ: {أن الذين لا يؤمنون بالآخرة} أي بالنشأة الآخرة {اعتدنا لهم} أي هيأنا لهم {عذاباً أليماً} وهو عذاب النار وإنما سمي العذاب أجراً لأنه يستحق في مقابلة عمل كالأخرة التي تجب في مقابلة عمل يعود نفعه إلى المستأجر والثواب يستحق على الله تعالى وإن كان معه نفعه يعود إلى العامل لأنه سبحانه أوجب ذلك على نفسه في مقابلة عمل العبد فضلاً منه وكرماً.
{ويدعو الإنسان بالشر دعاءه بالخير} قيل في معناه أقوال أحدها: أن الإنسان ربما يدعو في حال الزجر والغضب على نفسه وأهله وماله بما لا يحب أن يستجاب له فيه كما يدعو لنفسه بالخير فلو أجاب الله دعاءه لأهلكه لكنه لا يجيب بفضله ورحمته عن ابن عباس والحسن وقتادة والآخر: أن معناه أن الإنسان قد يطلب الشر لاستعجاله المنفعة وثالثها: أن معناه ويدعو في طلب المحظور كدعائه في طلب المباح.
{وكان الإنسان عجولاً} يعجل بالدعاء في الشر عجلته بالدعاء في الخير عن مجاهد وقيل يريد ضجراً لا صبراً له على ضراء ولا على سراء عن ابن عباس وروي عنه أيضاً أنه أراد به آدم (ع) لما انتهت النفخة إلى سرته أراد أن ينهض فلم يقدر فشبَّه الله سبحانه ابن آدم بأبيه في الاستعجال وطلب الشيء قبل وقته.
{وجعلنا الليل والنهار آيتين} أي دلالتين يدلاّن على وحدانية خالقهما لما في كل واحد منهما من الفوائد من الكسب بالنهار والاستراحة بالليل والزيادة في أجزاء أحدهما بالنقصان من أجزاء الآخر ولأن كل واحد منهما ينقضي لمجيء الآخر, وذلك يدل على حدوثهما إذ القديم لا يجوز عليه الانقضاء وعلى أن لهما محدثاً قادراً عالماً وقد علمنا ضرورة أن أحداً من البشر لم يحدثهما لعجز البشر عن ذلك فدل على أنه من صنع القديم القادر لذاته العالم لذاته الذي ليس كمثله شيء ولا يتعذر عليه شيء وقيل إن الآيتين هنا الشمس والقمر.
{فمحونا آية الليل} وهي القمر أي طمسنا نورها بما جعلنا فيها من السواد عن ابن عباس: {وجعلنا آية النهار} يعني الشمس {مبصرة} أي نيرة مضيئة للأبصار يبصر أهل النهار النهار بها. وقيل إن معناه جعلنا آية الليل ممحوة والمراد جعلنا الليل مظلماً لا يبصر فيه كما لا يبصر ما يمحى من الكتاب وجعلنا آية النهار مبصرة أي جعلنا النهار مضيئاً يبصر فيه وتدرك الأشياء فيه وعلى هذا فتكون آية الليل هي الليل نفسه وآية النهار هي النهار نفسه كما يقال نفس الشيء وعين الشيء وهذا من عجيب البلاغة, وقيل إن آية الليل ظلمته وآية النهار ضوؤه فالمراد محونا ظلمة الليل بضوء النهار ومحونا ضوء النهار بظلمة الليل إلا أنه ذكر أحدهما وحذف الآخر لدلالة المذكور على المحذوف.
ثم بيَّن سبحانه الغرض في ذلك وقال: {لتبتغوا فضلاً من ربكم} أي لتسكنوا بالليل وتطلبوا الرزق بأنواع التصرف في النهار إلا أنه حذف لتسكنوا بالليل لما ذكره في مواضع أخر: {ولتعلموا عدد السنين والحساب} أي لتعلموا بالليل والنهار عدد السنين والشهور وآجال الديون وغير ذلك من المواقيت ولتعلموا حسنات أعماركم وآجالكم ولولا الليل والنهار لما علم شيء من ذلك {وكل شيء فصلناه تفصيلاً} أي ميَّزناه تمييزاً ظاهراً بيناً لا يلتبس وبيّناه تبياناً شافياً لا يخفى.
النظم: اتصلت الآية الأولى بقوله: {عسى ربكم أن يرحمكم} الوجه فيه أنه لما أمر بني إسرائيل بالرجوع إلى الطريق المستقيم من التوبة وقبول الإسلام وأن ذلك الطريق هذا الكتاب الذي يدل على ما هو أحسن الأديان وقيل يتصل بقوله {وآتينا موسى الكتاب} أي كما آتيناه التوراة آتينا محمد صلى الله عليه وسلم القرآن الذي يهدي إلى الأحسن الأقوم وقيل اتصل بقوله سبحان الذي أسرى بأنه قال أسرى بعبده وآتاه الكتاب الذي هذه صفته وإنما اتصل قوله {يدعو الإنسان بالشر} الآية مما تقدّم من بشارة الكفار بالعذاب فبيَّن عقيبه أنهم يستعجلون العذاب جهلاً وعناداً ثم بيَّن أنه يستجيب لهم ما فيه صلاحهم ثم بيَّن بالآية الأخرى أنه أنعم عليهم بوجوه النعم كالليل والنهار ونحو ذلك وإن لم يشكروه.