التفاسير

< >
عرض

وَقَالُوۤاْ أَءِذَا كُنَّا عِظَاماً وَرُفَاتاً أَءِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً
٤٩
قُلْ كُونُواْ حِجَارَةً أَوْ حَدِيداً
٥٠
أَوْ خَلْقاً مِّمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَن يُعِيدُنَا قُلِ ٱلَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُؤُوسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هُوَ قُلْ عَسَىٰ أَن يَكُونَ قَرِيباً
٥١
يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً
٥٢
-الإسراء

مجمع البيان في تفسير القرآن

اللغة: الرفات ما تكسر وبلي من كل شيء ويكثر بناء فعال في كل ما يحطم ويرضض يقال حطام ودقاق وتراب وقال المبرد كل شيء مدقوق مبالغ في دقه حتى انسحق فهو رفات. وقال الفراء: لا واحد له من لفظه يقال رفت الشيء رفتاً فهو مرفوت إذا صير كالحطام, ويقال انغض رأسه ينغضه ونغض رأسه ينغضه نغضاً إذا حركه. قالوا: والنغض تحريك الرأس بارتفاع وانخفاض ومنه قيل للظليم نغض لأنه يحرك رأسه في مشيه بارتفاع وانخفاض قال العجاج:

أَصَكَّ نَغْضاً لا يَنِي مُسْْتَهْدَجا

ونغض السن إذا تحرَّكت قال:

فَنَغَضَتْ مِنْ هرم أَسْنانها

الإعراب: إذا في موضع نصب بفعل يدل عليه قوله: {أإنا لمبعوثون} وتقديره أنبعث في ذلك الوقت ولايجوز أن يكون ظرفاً لقوله: {مبعوثون} لأن ما بعده أن ولام الابتداء لا يجوز أن يعمل فيما قبلهما والباء في بحمده باء الحال أي تستجيبون حامدين له ويدعوكم في موضع الجر بإضافة يوم إليه وتستجيبون عطف عليه وتظنون ليس في موضع الجر لأن الواو للحال وتقديره وحالكم إذ ذاك أن تظنوا وقليلاً نصب على الظرف وتقديره إن لبثتم إلا زمناً قليلاً.
المعنى: لمّا تقدَّم ذكر البعث والنشور حكى سبحانه عن الكفار ما قالوا في إنكاره فقال {وقالوا أَإِذا كنا عظاماً ورفاتاً} أي غباراً عن ابن عباس وقيل تراباً عن مجاهد {أإِنا لمبعوثون خلقاً جديداً} والمعنى قال المنكرون للبعث إنا إذا متنا وانتثرت لحومنا وصرنا عظاماً وتراباً أنبعث بعد ذلك خلقاً جديداً أي متجدداً وهو إنكار في صورة الاستفهام.
{قل} يا محمد لهم {كونوا حجارة أو حديداً} أي اجهدوا في أن لا تعادوا وكونوا إن استطعتم حجارة في القوة أو حديداً في الشدة {أو خلقاً مما يكبر في صدوركم} أي خلقاً هو أعظم من ذلك عندكم وأصعب فإنكم لا تفوتون الله تعالى وسيحييكم بعد الموت وينشركم, إلا أن الكلام خرج مخرج الأمر لأنه أبلغ في الإلزام وقيل يعني بقوله: {مما يكبر في صدوركم} الموت عن ابن عباس وسعيد بن جبير أي لو كنتم الموت لأماتكم الله تعالى وليس أكبر في صدور بني آدم من الموت وقيل يعني به السماوات والأرض والجبال عن مجاهد.
{فسيقولون من يعيدنا قل الذي فطركم أول مرة} معناه فإنك إذا قلت لهم ذلك سيقولون لك من يحيينا بعد الموت قل يا محمد يحييكم من خلقكم أول مرة فإن من قدر على ابتداء الشيء كان على إعادته أقدر ما لم تبطل قدرته ولم يتغير فإن ابتداء الشيء أصعب من إعادته وإنما قال ذلك لهم لأنهم كانوا يقرُّون بالنشأَة الأولى {فسينغضون إليك رؤوسهم} أي فسيحرّكون إليك رؤوسهم تحريك المستهزىء المستخف المستبطىء لما تنذرهم به {ويقولون متى هو} أي متى يكون البعث {قل عسى أن يكون قريباً} لأن ما هو آت قريب ومن كلام الحسن كأنك بالدنيا لم تكن وكأنك بالآخرة لم تزل.
{يوم يدعوكم فتستجيبون بحمده} معناه عسى أن يكون بعثكم قريباً أيها المشركون يوم يدعوكم من قبوركم إلى الموقف على ألسنة الملائكة وذلك عند النفخة الثانية فيقولون أيتها العظام النخرة والجلود البالية عودي كما كنت فتستجيبون مضطرين بحمده أي حامدين لله على نعمه وأنتم موحدون وهذا كما يقول القائل جاء فلان بغضبه أي جاء غضبان وقيل معنى تستجيبون بحمده أنكم تستجيبون معترفين بأن الحمد لله على نعمه لا تنكرونه لأن المعارف هناك ضرورية قال سعيد بن جبير يخرجون من قبورهم يقولون سبحانك وبحمدك ولا ينفعهم في ذلك اليوم لأنهم حمدوا حين لا ينفعهم الحمد.
{وتظنون إن لبثتم إلا قليلاً} أي وتظنون أنكم لم تلبثوا في الدنيا إلا قليلاً لسرعة انقلاب الدنيا إلى الآخرة. قال الحسن وقتادة: استقصروا مدة لبثهم في الدنيا لما يعلمون من طول لبثهم في الآخرة ومن المفسرين من يذهب إلى أن هذه الآية خطاب للمؤمنين لأنهم الذين يستجيبون لله بحمده ويحمدونه على إحسانه إليهم ويستقلون مدة لبثهم في البرزخ لكونهم في قبورهم منعمين غير معذبين وأيام السرور والرخاء قصار.