التفاسير

< >
عرض

كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِٱللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَٰتاً فَأَحْيَٰكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ
٢٨
-البقرة

مجمع البيان في تفسير القرآن

القراءة: قرأ يعقوب ترجعون بفتح التاء على أن الفعل لهم والباقون بضم التاء وفتح الجيم على ما لم يسم فاعله.
الإعراب: كيف في الأصل سؤال عن الحال ويتضح ذلك في الجواب إذا قيل كيف رأيت زيداً فتقول مسروراً أو مهموماً وما أشبه ذلك فتجيب بأحواله, فكيف ينتظم جميع الأحوال كما أن كم ينتظم جميع العدد وما ينتظم جميع الجنس وأين ينتظم جميع الأماكن ومن ينتظم جميع العقلاء. ومعناه في الآية التوبيخ وتقديره أمتعلقين بحجة تكفرون فيكون منصوب الموضع على الحال والعامل فيه تكفرون وقال الزجاج هو استفهام في معنى التعجب وهذا التعجب إنما هو للخلق أو للمؤمنين أي اعجبوا من هؤلاء كيف يكفرون وقد ثبتت حجة الله عليهم ومعنى وكنتم وقد كنتم والواو واو الحال وإضمار قد جائز إذا كان في الكلام دليل عليه ومثله قولـه تعالى:
{ أَوْ جَآءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ } [النساء: 90] أي قد حصرت صدورهم وهي جملة في موضع الحال وإنما وجب إظهار قد في مثل هذا أو تقديرها لأن الماضي لا يكون حالاً وقد إنما يكون لتقريب العهد ولتقريب الحال فبدخوله يصلح أن يكون الفعل الماضي حالاً.
المعنى: ثم عاد الله تعالى إلى الاحتجاج على الكفار في إنكارهم البعث وجحودهم لرسله وكتبه بما أنعم به عليهم فقال: {كيف تكفرون بالله} ومن قال هو توبيخ قال معناه ويحكم كيف تكفرون, كما يقال كيف تكفر نعمة فلان وقد أحسن إليك. ومن قال هو تعجب قال تقديره عجباً منكم على أي حال يقع منكم الكفر بالله مع الدلائل الظاهرة على وحدانيته والمعجزات القاهرة على صدق من اختصه برسالته وقيام الحجج الباهرة على وجوب طاعته وشكر نعمته. ثم ذكر سبحانه بعض نعمه عليهم فقال: {وكنتم أمواتاً فأحياكم} أي وحالكم أنكم كنتم أمواتاً وفيه وجوه أحدها: أنهم كانوا أمواتاً في أصلاب آبائهم يعني نطفاً فأحياهم الله ثم أماتهم الموتة التي لا بد منها ثم أحياهم بعد الموت فهما حياتان وموتتان عن قتادة وثانيها: أن معناه لم تكونوا شيئاً فخلقكم ثم يميتكم ثم يحييكم يوم القيامة عن ابن عباس وابن مسعود وثالثها: أن معناه كنتم أمواتاً يعني خاملي الذكر فأحياكم بالظهور ثم يميتكم عند تقضي آجالكم ثم يحييكم للبعث والعرب تسمي كل امرئ خامل ميتاً وكل امرئ مشهور حيّاً كما قال أبو نخيلة السعدي:

فأحْيَيْتَ مِنْ ذِكْرِي وَمَا كَانَ خامِلاً وَلَكِنَّ بَعْضَ الذَّكْرِ أنْبَهُ مِنْ بَعْضِ

ورابعها: أن معناه كنتم نطفاً في أصلاب آبائكم وبطون أمهاتكم والنطفة موات فأخرجكم إلى دار الدنيا أحياء {ثم يميتكم ثم يحييكم} في القبر للمساءلة {ثم إليه ترجعون} أي يبعثكم يوم الحشر للحساب والمجازاة على الأعمال وسمي الحشر رجوعاً إلى الله تعالى لأنه رجوع إلى حيث لا يكون أحد يتولى الحكم فيه غير الله, كما يقال رجع أمر القوم إلى الأمير ولا يراد به الرجوع من مكان إلى مكان وإنما يراد به أن النظر صار له خاصة دون غيره.
وإنما بدأ الله تعالى بذكر الحياة ومن بين سائر النعم بها على العبد لأن أول نعمة أنعم الله بها عليه خلقه إياه حيًّا لينفعه وبالحياة يتمكن الانسان من الانتفاع والالتذاذ وإنما عدّ الموت من النعم وهو يقطع النعم في الظاهر لأن الموت يقطع التكليف فيصل المكلف بعده إلى الثواب الدائم فهو من هذا الوجه نعمة. وقيل إنما ذكر الموت لتمام الاحتجاج لا لكونه نعمة. وفي هذه الآية دلالة على أنه تعالى لم يرد من عباده الكفر ولا خلقه فيهم لأنه لو أراده منهم أو خلقه فيهم لم يجز أن يضيفه إليهم بقولـه كيف تكفرون بالله كما لا يجوز أن يقول لهم كيف أو لم كنتم طوالاً أو قصاراً وما أشبه ذلك مما هو من فعله تعالى فيهم.