التفاسير

< >
عرض

وَلاَ تَلْبِسُواْ ٱلْحَقَّ بِٱلْبَٰطِلِ وَتَكْتُمُواْ ٱلْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ
٤٢
-البقرة

مجمع البيان في تفسير القرآن

اللغة: اللبس والتغطية والتعمية نظائر والفرق بين التغطية والتعمية أن التغطية تكون بالزيادة والتعمية قد تكون بالنقصان والزيادة, وضد اللبس الإيضاح واللباس ما واريت به جسدك ولباس التقوى الحياء واللبس خلط الأمور بعضها ببعض والفعل لَبَس الأمر يَلبِس لَبسا ولَبِس الثوب يَلْبَسه لُبساً, والفرق بين اللبس والإخفاء أن الإخفاء يمكن أن يدرك معه المعنى ولا يمكن مع اللبس إدراك المعنى والإشكال قد يدرك معه المعنى إلا بصعوبة لأجل التعقيد وقال أمير المؤمنين (ع) للحرث بن حوط: يا حارث إنه ملبوس عليك أن الحق لا يعرف بالرجال اعرف الحق تعرف أهله والباطل والبطل واحد وهو ضد الحق والبطلان والفساد والكذب والزور والبهتان نظائر وأبطلت الشيء جعلته باطلاً وأبطل الرجل جاء بباطل.
الإعراب: قولـه وتكتموا الحق يحتمل وجهين من الإعراب أحدهما الجزم على النهي كأنه قال لا تلبسوا الحق ولا تكتموا فيكون عطف جملة على جملة والآخر النصب على الظرف بإضمار أن فيكون عطف الاسم على مصدر الفعل الذي قبله وتقديره لا يكن منكم لبس الحق وكتمانه ودل تلبسوا على لبس كما يقال من كذب كان شراً له فكذب يدل على الكذب فإنه قال من كذب كان الكذب شراً قال الشاعر في مثله:

لا تَنْهَ عَنْ خُلُقٍ وتَأْتِي مِثْلهُ عَارٌ علَيْكَ إذَا فَعَلْتَ عَظِيمُ

أي لا تجمع بين النهي عن خلق والإتيان بمثله.
المعنى: {لا تلبسوا} أي لا تخلطوا: {الحق بالباطل} ومعنى لبسهم الحق بالباطل أنهم آمنوا ببعض الكتاب وكفروا لأنهم جحدوا صفة النبي صلى الله عليه وسلم فذلك الباطل وأقروا بغيره مما في الكتاب. وقيل معناه لا تحرفوا الكلم عن مواضعه فالتحريف هو الباطل وتركهم ما في الكتاب على ما هو به هو الحق, وقال ابن عباس لا تخلطوا الصدق بالكذب, وقيل الحق التوراة التي أنزلها الله على موسى والباطل ما كتبوه بأيديهم. وقيل الحق إقرارهم أن محمداً مبعوث إلى غيرهم والباطل إنكارهم أن يكون بعث إليهم.
وقولـه: {وتكتموا الحق وأنتم تعلمون} أي لا تكتموا صفة النبي صلى الله عليه وسلم في التوراة وأنتم تعلمون أنه حق والخطاب متوجه إلى رؤساء أهل الكتاب كما وصفهم بأنهم يحرفون الكلم عن مواضعه للتلبيس على أتباعهم وهذا تقبيح لما يفعلونه أي يجحدون ما يعلمون وجحد العالم أعظم من جحد الجاهل وقيل معناه وأنتم تعلمون البعث والجزاء, وقيل معناه وأنتم تعلمون ما أنزل ببني اسرائيل وما سينزل بمن كذب على الله تعالى.
وقيل معناه وأنتم تعلمون ما نزل ببني إسرائيل من المسخ وغيره فإن قيل كيف يجوز أن يكون هؤلاء عارفين بنبوة محمد وذلك مبني على معرفة الله وعندكم أن من عرف الله لا يجوز أن يكفر وهؤلاء صاروا كفاراً وماتوا على كفرهم؟ قلنا لا يمتنع أن يكونوا عرفوا الله على وجه لا يستحقون به الثواب لأن الثواب إنما يستحق بأن ينظروا من الوجه الذي يستحق به الثواب فإذا نظروا على غير ذلك الوجه لا يستحقون الثواب فعلى هذا يجوز أن يكونوا عارفين بالله والتوراة وبصفات النبي صلى الله عليه وسلم وإن لم يستحقوا الثواب فلا يمتنع أن يكفروا. وقال بعض أصحابنا استحقاقهم الثواب على إيمانهم مشروط بالموافاة فإذا لم يوافوا بالإيمان لم يستحقوا الثواب فعلى هذا يجوز أن يكونوا عارفين وإن لم يكونوا مستحقين لثواب يبطل بالكفر والمعتمد الأول.