التفاسير

< >
عرض

وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَىٰ ٱلْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِن بَعْدِهِ بِٱلرُّسُلِ وَآتَيْنَا عِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ ٱلْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ ٱلْقُدُسِ أَفَكُلَّمَا جَآءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لاَ تَهْوَىٰ أَنْفُسُكُمْ ٱسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ
٨٧
-البقرة

مجمع البيان في تفسير القرآن

القراءة: قرأ ابن كثير القدس بسكون الدال في جميع القرآن والباقون بضم القاف والدال وروي في الشواذ عن أبي عمرو وآيدناه على زنة افعلناه والقراءة أيدناه بالتشديد.
الحجة: التخفيف والتثقيل في القدس وكذلك فيما كان مثله نحو الحلم والحُلم والعنق والعُنق وأيدناه إنما كانت القراءة المشهورة فيه فعلناه لما يعرض من تصحيح العين مخافة توالي إعلالين في أيدناه على أفعلناه ومعنى هذا أنه لو أعلّت عينه كما يجب إعلال عين أفعلت من الأجوف كأقمت وأبعت لتتابع فيه إعلالان لأن أصل أيدت كما أن أصل آمن أأمن فانقلبت الهمزة الثانية ألفاً لاجتماع همزتين في كلمة واحدة والأولى منهما مفتوحة والثانية ساكنة وكان يجب أيضاً أن تلقى حركة العين على الفاء وتحذف العين كما ألقيت حركة الواو من أقومت على القاف قبلها فصار أقمت وكان يجب على هذا أن تقلب الفاء هنا واواً لأنها قد تحركت وانفتح ما قبلها ولا بد من قلبها لوقوع الهمزة الأولى قبلها كما قلبت في تكسير آدم أو ادِم فكان يجب أن تقول أودته كأقمته فتحذف العين كما ترى وتقلب الفاء التي هي في الأصل همزة واواً فيعتل الفاء والعين جميعاً وإِذا كان يؤدي القياس إلى هذا رفض وكثر فيه فعَّلْتُ ليؤمن الإِعلالان وجاء أيَدْتْ قليلاً شاذاً على الأصل وإِذا كانوا قد أخرجوا عين أفْعَلتُ وهي حرف علة الصحة في نحو قولـه :

صَدَدْتِ فأَطْوَلتِ الصُّدُودَ وقَلَّما وِصالٌ على طُوْلِ الصُّدُودِ يَََََََََََََدومُ

وأعْوَزَ القوم وأغيَمتِ السماء ولو أعلت لم يُخف فيه توالي إعلالين كان خروج أيدت على الصحة لئلا يجتمع إعلالان أولى وأحرى.
اللغة: قفينا أي أردفنا وأتبعنا بعضهم خلف بعض وأصله من القفا يقال قفوت فلاناً إذا صرت خلف قفاه كما يقال دبرته قال امرؤ القيس:

وَقَفَّى عَلَى آثارِهِنَّ بِحَاصِبٍ وغَيْبَةِ شُؤْبُوبٍ من الشَّدِّ مُلْهِبِ

والرسل جمع رسول كالصبر والشكرُ في جميع صبور وشكور وأيدناه قويناه من الأيد والآد وهما القوة ومثلهما في البناء على فَعْل وفَعَل الذيْم والذام والعيب والعاب قال العجاج:

مـِـنْ أنْ تـَبــدَّلـْــتُ بـــِـآدي آدا

أي بقوة شبابي قوة الشيب, والقدس الطهر والتقديس التطهير وقولنا في صفة الله تعالى القدوس أي الطاهر المنزه عن أن يكون له ولد أو يكون في فعله وحكمه ما ليس بعدل, وبيت المقدس لا يخلو المقدس فيه إما أن يكون مصدراً أو مكاناً فإِن كان مكاناً فالمعنى بيت المكان الذي فعل فيه الطهارة وأضيف إلى الطهارة لأنه منسك كما جاء { أن طَهّرا بيتي للطائفين } [البقرة: 125] وتطهيره اخلاؤه من الصنم وإبعاده منه فعلى هذا يكون معناه بيت مكان الطهارة وإن كان مصدراً كان كقولـه إليه مرجعكم ونحوه من المصادر التي جارت على هذا المثال والهوى مقصوراً والشهوة نظيران هوى يهوى هوى.
المعنى: ثم ذكر سبحانه إنعامه عليهم بإرسال رسله إليهم وما قابلوه به من تكذيبهم فقال {ولقد آتينا موسى الكتاب} أي أعطيناه التوراة وأنزلنا إليه {وقفينا من بعده} أي اتبعنا من بعد موسى {بالرسل} رسولاً بعد رسول يتبع الآخر الأول, في الدعاء إلى وحدانية الله تعالى والقيام بشرائعه على منهاج واحد لأن كل من بعثه الله تعالى بعد موسى إلى زمن عيسى (ع) فإنما بعثه بإِقامة التوراة والعمل بما فيها والدعاة إلى ذلك {وآتينا عيسى ابن مريم البينات} أي أعطيناه المعجزات والدلالات على نبوته من إحياء الموتى وإبراء الأَكمه والأَبرص ونحو ذلك من الآيات الدالة على صدقه وصحة نبوته, وقال بعضهم أراد بالبينات الإنجيل وما فيه من الأحكام والآيات الفاصلة بين الحلال والحرام.
{وأيدناه بروح القدس} أي قويناه وأعنّاه بجبريل (ع) عن قتادة والسدي والضحاك والربيع واختلف في سبب تسمية جبرائيل (ع) روحاً على وجوه أحدها: أنه يحيي بما يأتي به من البينات الأَديان كما تحيا بالأَرواح الأَبدان وثانيها: أنه سمي بذلك لأن الغالب عليه الروحانية وكذلك سائر الملائكة وإنما خص بهذا الاسم تشريفاً له وثالثها: أنه سمي به وأضيف إلى القدس لأنه كان بتكوين الله تعالى إياه روحاً من عنده من غير ولادة والد ولده, وقال ابن زيد المراد بروح القدس الإنجيل كما سمى الله تعالى القرآن روحاً فقال وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا فكذلك سمي الإنجيل روحاً وروى الضحاك عن ابن عباس أن الروح الاسم الذي كان عيسى (ع) يحيي به الموتى وقال الربيع هو الروح الذي نفخ فيه فأضافه إلى نفسه تشريفاً كما قال بيت الله وناقة الله وأقوى الأَقوال والوجوه قول من قال هو جبرائيل (ع) وإِذا قيل لم خص عيسى (ع) من بين الأَنبياء بأنه مؤيد بجبرائيل وكل نبي مؤيد به فالقول فيه أنه إنما خص بذلك لثبوت اختصاصه به من صغره إلى كبره فكان يسير معه حيث سار ولما همَّ اليهود بقتله لم يفارقه حتى صعد به إلى السماء وكان تمثل لمريم عند حملها به وبشرها به ونفخ فيها واختلف في معنى القدس فقيل هو الطهر وقيل هو البركة عن السدي وحكى قطرب أنهم يقولون قدس عليه الأَنبياء أي بركوا وعلى هذا فإِنه كدعاء إبراهيم (ع) للحرم
{ رب اجعل هذا بلداً آمناً } [البقرة: 126] وكقول زكريا: { اجعله رب رضياً } [مريم: 6] وقيل القدس هو الله تعالى عن الحسن والربيع وابن زيد وقالوا القدوس والقدس واحد. وقولـه: {أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم} خطاب لليهود فكأنه قال يا معشر يهود بني إسرائيل أكلما جاءكم رسول من رسلي بغير الذي تهواه أنفسكم تعظمتم وتجبرتم وأنفتم من قبول قولـه: {ففريقاً كذبتم وفريقاً تقتلون} أي فكذبتم منهم بعضاً ممن لم تقدروا على قتله مثل عيسى (ع) ومحمد صلى الله عليه وسلم وقتلهم بعضاً مثل يحيى وزكريا وغيرهما وظاهر الخطاب وإن خرج مخرج التقرير فهو بمعنى الخبر وإنما أضاف هذا الفعل إليهم وإن لم يباشروه بنفوسهم لأنهم رضوا بفعل أسلافهم فأضيف الفعل إليهم وإن فعله أسلافهم.