التفاسير

< >
عرض

كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ ٱلْمُرْسَلِينَ
١٠٥
إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلاَ تَتَّقُونَ
١٠٦
إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ
١٠٧
فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ
١٠٨
وَمَآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَىٰ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ
١٠٩
فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ
١١٠
قَالُوۤاْ أَنُؤْمِنُ لَكَ وَٱتَّبَعَكَ ٱلأَرْذَلُونَ
١١١
قَالَ وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ
١١٢
إِنْ حِسَابُهُمْ إِلاَّ عَلَىٰ رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ
١١٣
وَمَآ أَنَاْ بِطَارِدِ ٱلْمُؤْمِنِينَ
١١٤
إِنْ أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ مُّبِينٌ
١١٥
قَالُواْ لَئِنْ لَّمْ تَنْتَهِ يٰنُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمَرْجُومِينَ
١١٦
قَالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ
١١٧
فَٱفْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحاً وَنَجِّنِي وَمَن مَّعِي مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ
١١٨
فَأَنجَيْنَاهُ وَمَن مَّعَهُ فِي ٱلْفُلْكِ ٱلْمَشْحُونِ
١١٩
ثُمَّ أَغْرَقْنَا بَعْدُ ٱلْبَاقِينَ
١٢٠
إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ
١٢١
وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ
١٢٢
-الشعراء

مجمع البيان في تفسير القرآن

القراءة: قرأ يعقوب وأتباعك وهو قراءة ابن مسعود والضحاك وابن السميفع والفراء والباقون وأتبعك.
الحجة: يحتمل قوله وأتباعك وجهين أحدهما: أن يكون مبتدأ والأرذلون خبره والمعنى لماذا نؤمن لك وإنما أتباعك الأرذلون والآخر: أن يكون معطوفاً على الضمير في أنؤمن أي أنؤمن نحن وأتباعك والأرذلون صفة للاتباع وجاز العطف على الضمير المرفوع المتصل من غير توكيد لما وقع هناك من الفصل وهو قوله لك فصار طول الكلام به كالعوض من توكيد الضمير بقوله نحن والمعنى أنؤمن لك وأتباعك الأرذلون فنعدُّ في عدادهم.
اللغة: الأرذلون والأراذل السفلة وأوضاع الناس والرذل الوضيع والرذيلة نقيض الفضيلة والطرد إبعاد الشيء على وجه التنفير طرده يطرده وأطرده جعله طريداً وأطرد في الباب استمر في الذهاب كالطريد، والرجم الرمي بالحجارة ولا يقال للرمي بالقوس رجم ويسمى المشتوم مرجوماً لأنه يرمى بما يذم، والانتهاء بلوغ الحد من غير مجاوزة إلى ما وقع عنه النهي وأصل النهاية بلوغ الحد والنهي الغدير لانتهاء الماء إليه والفتح الحكم والفتاح الحاكم لأنه يفتح على وجه الأمر بالحكم الفصل قال الشاعر:

أَلا أَبْلِغْ بَنِي أعْيا رَسُولاً فَإنّــي عَنْ فُتاحَتِكُمْ غَنِيُّ

والفلك السفن يقع على الواحد والجمع والمشحون من شحنه يشحنه شحناً إذا ملأه بما يسدُّ خلله وشحن الثغر بالرجال ومنه الشحنة.
الإِعراب: ما علمي ما حرف نفي وعلمي مبتدأ وتقديره ما علمي ثبت أو وحصل بما كانوا يعملون.
المعنى: ثم ذكر سبحانه حديث نوح (ع) فقال { كذبت قوم نوح المرسلين } دخلت التاء في كذبت والقوم مذكر لأن المراد بالقوم الجماعة أي كذبت جماعة نوح المرسلين لأن من كذب رسولاً واحداً من رسل الله فقد كذب الجماعة لأن كل رسول يأمر بتصديق جميع الرسل. وقال أبو جعفر (ع): يعني بالمرسلين نوحاً والأنبياء الذين كانوا بينه وبين آدم (ع).
{ إذ قال لهم أخوهم نوح } أي في النسب لا في الدين { ألا تتقون } عذاب الله تعالى في تكذيبي ومخالفتي { إني لكم رسول أمين } على الرسالة فيما بيني وبين ربكم { فاتقوا الله } بطاعته وعبادته { وأطيعون } فيما آمركم به من الإِيمان والتوحيد.
{ وما أسالكم عليه } أي على الدعاء إلى التوحيد { من أجر } من مزيدة { إن أجري } ما جزائي وثوابي { إلا على رب العالمين } وخالق الخلائق أجمعين ثم كرَّر عليهم قوله { فاتقوا الله وأطيعون } لاختلاف المعنى لأن التقدير فاتقوا الله وأطيعون لأني رسول أمين واتقوا الله وأطيعون لأني لا أسألكم عليه أجراً فتخافوا تلف أموالكم به وكل واحد من هذين المعنيين يقوّي الداعي إلى قبول قول الغير ويبعد عن التهمة.
{ قالوا أنؤمن لك } أي نصدّقك فيما تقول { وأتبعك الأرذلون } أي وقد اتبعك سفلة الناس وأراذلهم وخساسهم عن قتادة. وقيل: يعنون المساكين الذين ليس لهم مال ولا عز عن عطاء. وقيل: يعنون الحاكة والأساكفة عن الضحاك وعلقمة والمعنى أن اتباعك أراذلنا وفقراؤنا وأصحاب الأعمال الدنية والمهن الخسيسة فلو اتبعناك لصرنا مثلهم ومعدودين في جملتهم وهذا جهل منهم لأنه ليس في إيمان الأرذلين به ما يوجب تكذيبه فإن الرذل إذا أطاع سلطانه استحق التقرب عنده دون الشريف العاصي.
{ قال وما علمي بما كانوا يعملون } أي ما أعلم أعمالهم وصنائعهم ولم أكلف ذلك وإنما كلفت أن أدعوهم إلى الله وقد أجابوني إليه { إن حسابهم إلا على ربي لو تشعرون } أي ليس حسابهم إلا على ربي الذي خلقني وخلقهم لو تعلمون ذلك ما عبتموهم بصنائعهم.
{ وما أنا بطارد المؤمنين إن أنا إلا نذير مبين } أي ما أنا بالذي لا يقبل الإِيمان من الذين تزعمون أنهم الأرذلون لأني لست إلا نذيراً مخوّفاً من معصية الله داعياً إلى طاعته مبيّناً لها.
{ قالوا } له عند ذلك { لئن لم تنته يا نوح } أي إن لم ترجع عما تقوله وتدعو إليه { لتكونن من المرجومين } بالحجارة عن قتادة. وقيل: من المرجومين بالشتم عن الضحاك { قال } نوح { رب إن قومي كذبون فافتح بيني وبينهم فتحاً } أي فاقض بيننا قضاء بالعذاب لأنه قال { ونجني ومن معي من المؤمنين } أي من ذلك العذاب.
{ فأنجيناه ومن معه في الفلك المشحون } أي فخلّصناه ومن معه من المؤمنين في السفينة المملوءة من الناس وغيرهم من الحيوانات { ثم أغرقنا بعد } أي بعد نجاة نوح ومن معه { الباقين } أي الخارجين عن السفينة الكافرين به { إن في ذلك لآية } واضحة على توحيد الله { وما كان أكثرهم مؤمنين } وليس هذا بتكرار وإنما كل واحد في قصة على حدة فهذا ذكر آية في قصة نوح وما كان من شأنه بعد ذكر آية مما كان في قصة إبراهيم وذكر آية أخرى في قصة موسى وفرعون فبين أنه ذكر كلاً من ذلك لما فيه من الآية الباهرة { وإن ربك لهو العزيز } في إهلاك قومك نوح بالغرق { الرحيم } في إنجائه نوحاً ومن معه في الفلك.