التفاسير

< >
عرض

مَثَلُ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَوْلِيَآءَ كَمَثَلِ ٱلْعَنكَبُوتِ ٱتَّخَذَتْ بَيْتاً وَإِنَّ أَوْهَنَ ٱلْبُيُوتِ لَبَيْتُ ٱلْعَنكَبُوتِ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ
٤١
إِنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ
٤٢
وَتِلْكَ ٱلأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَآ إِلاَّ ٱلْعَالِمُونَ
٤٣
خَلَقَ ٱللَّهُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ بِٱلْحَقِّ إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَةً لِّلْمُؤْمِنِينَ
٤٤
ٱتْلُ مَا أُوْحِيَ إِلَيْكَ مِنَ ٱلْكِتَابِ وَأَقِمِ ٱلصَّلاَةَ إِنَّ ٱلصَّلاَةَ تَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَآءِ وَٱلْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ ٱللَّهِ أَكْبَرُ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ
٤٥
-العنكبوت

مجمع البيان في تفسير القرآن

القراءة: قرأ أهل البصرة وعاصم إلا الأعمش والبرجمي ما يدعون بالياء والباقون بالتاء.
الحجة والإعراب: قال أبو علي: التاء على قوله قل لهم {إن الله يعلم ما تدعون} لا يكون إلا عند هذا لأن المسلمين لا يخاطبون بذلك وما استفهام وموضعه نصب بيدعون ولا يجوز أن يكون نصباً بيعلم ولكن صارت الجملة التي هي في موضع نصب بيعلم ولا يكون يعلم بمعنى يعرف كقوله
{ ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم في السبت } [البقرة: 65] لأن ذلك لا يلغى وما لا يلغى لا يعلق ويبعد ذلك دخول من في الكلام وهي إنما تدخل في نحو قولك هل من طعام وهل من رجل ولا تدخل في الإيجاب هذا قول الخليل وكذلك قوله { فسوف تعلمون من تكون له عاقبة الدار } } [الأنعام: 135] المعنى فستعلمون المسلم تكون له عاقبة الدار أم الكافر وكل ما كان من هذا فهكذا القول فيه وهو قياس قول الخليل.
اللغة: جمع العنكبوت عناكب وتصغيره عنيكب ووزنه فعللوت وهو يذكر ويؤنث قال الشاعر:

عَلى هَطالِهِمْ مِنْهُمْ بُيُوتٌ كَأَنَّ الْعَنْكَبُوتَ هُوَ ابْتَناها

ويقال فيه العنكباء.
المعنى: ثم شبَّه سبحانه حال الكفار الذين اتخذوا من دونه آلهة بحال العنكبوت فقال {مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء} أي شبه من اتخذ الأصنام آلهة يريدون نصرها ونفعها وضرها والرجوع إليها عند الحاجة {كمثل العنكبوت اتخذت بيتاً} لنفسها لتأوي إليه فكما أن بيت العنكبوت لا يغني عنها شيئاً لكونه في غاية الوهن والضعف ولا يجدي نفعاً كذلك الأصنام لا تملك لهم خيراً وشراً ونفعاً وضراً والولي هو المتولي للنصرة وهو أبلغ من الناصر لأن الناصر قد يكون ناصراً بأن يأمر غيره بالنصرة والولي هو الذي يتولى النصرة بنفسه.
{وإن أوهن البيوت} أي أضعفها {لبيت العنكبوت لو كانوا يعلمون} صحة ما أخبرناهم به ويتحققون ولو متعلقة بقوله {اتخذوا} أي لو علموا أن اتخاذهم الاولياء كاتخاذ العنكبوت بيتاً سخيفاً لم يتخذوهم أولياء ولا يجوز أن تكون متعلقة بقوله {وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت} لأنهم كانوا يعلمون أن بيت العنكبوت واهٍ ضعيف.
{إن الله يعلم ما يدعون من دونه من شيء} هذا وعيد منه سبحانه ومعناه أنه يعلم ما يعبد هؤلاء الكفار وما يتخذونه من دونه أرباباً {وهو العزيز} الذي لا يغالب فيما يريده {الحكيم} في جميع أفعاله.
{وتلك الأمثال} وهي الأشباه والنظائر يعني أمثال القرآن {نضربها للناس} أي نذكرها لهم لندعوهم إلى المعرفة والتوحيد ونعرفهم قبح ما هم فيه من عبادة الأصنام {وما يعقلها إلا العالمون} أي وما يفهمها إلا من يعلم وجه الشبه بين المثل والممثل به. وقيل: معناه وما يعقل الأمثال إلا العلماء الذين يعقلون عن الله وروى الواحدي بالإِسناد عن جابر قال:
"تلا النبي صلى الله عليه وسلم هذه الآية وقال: العالم الذي عقل عن الله فعمل بطاعته واجتنب سخطه" .
ثم بيَّن سبحانه ما يدلُّ على إلهيته واستحقاقه العبادة فقال {خلق الله السماوات والأرض} أي أخرجهما من العدم إلى الوجود ولم يخلقهما عبثاً بل خلقهما ليسكنهما خلقه وليستدلّوا بهما على إثباته ووحدانيته {بالحق} أي على وجه الحكمة. وقيل: معناه للحق وإظهار الحق {إن في ذلك لآية للمؤمنين} لأنهم المنتفعون بذلك.
ثم خاطب سبحانه نبيَّه صلى الله عليه وسلم فقال {اتل ما أوحي إليك من الكتاب} يعني القرآن أي اقرأه على المكلفين واعمل بما تضمنه {وأقم الصلاة} أي أدّها بحدودها في مواقيتها {إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر} في هذا دلالة على أن فعل الصلاة لطف للمكلف في ترك القبيح والمعاصي التي ينكرها العقل والشرع فإن انتهى عن القبيح يكون توفيقاً وإلا فقد أتي المكلف من قبل نفسه. وقيل: إن الصلاة بمنزلة الناهي بالقول إذا قال: لا تفعل الفحشاء والمنكر وذلك لأن فيها التكبير والتسبيح والتهليل والقراءة والوقوف بين يدي الله تعالى وغير ذلك من صنوف العبادة وكل ذلك يدعو إلى شكله ويصرف عن ضدّه فيكون مثل الأمر والنهي بالقول. وكل دليل مؤدّ إلى المعرفة بالحق فهو داع إليه وصارف عن الباطل الذي هو ضدّه. وقيل: معناه إن الصلاة تنهى صاحبها عن الفحشاء والمنكر ما دام فيها. وقيل: معناه أنه ينبغي أن تنهاه كقوله
{ ومن دخله كان آمناً } [آل عمران: 97] وقال ابن عباس: في الصلاة منهى ومزدجر عن معاصي الله فمن لم تنهه صلاته عن المعاصي لم يزدد من الله إلا بعداً وقال الحسن وقتادة: من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر فليست صلاته بصلاة وهي وبال عليه.
وروى أنس بن مالك الجهني عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
"إنه من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر لم يزدد من الله إلا بعداً" وروي عن ابن مسعود أيضاً عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لا صلاة لمن لم يطع الصلاة وطاعة الصلاة أن ينتهي عن الفحشاء والمنكر" ومعنى ذلك أن الصلاة إذا كانت ناهية عن المعاصي فمن أقامها ثم لم ينته عن المعاصي لم تكن صلاته بالصفة التي وصفها الله بها فإن تاب من بعد ذلك وترك المعاصي فقد تبين أن صلاته كانت نافعة له ناهية وإن لم ينته إلا بعد زمان "وروى أنس أن فتى من الأنصار كان يصلي الصلاة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ويرتكب الفواحش فوصف ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إن صلاته تنهاه يوماً" وعن جابر قال: "قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم إن فلاناً يصلي بالنهار ويسرق بالليل فقال: إن صلاته لتردعه" وروى أصحابنا عن أبي عبد الله (ع) قال: من أحبَّ أن يعلم أقبلت صلاته أم لم تقبل فلينظر هل منعته صلاته عن الفحشاء والمنكر فبقدر ما منعته قبلت منه.
{ولذكر الله أكبر} أي ولذكر الله إياكم برحمته أكبر من ذكركم إياه بطاعته عن ابن عباس وسلمان وابن مسعود ومجاهد. وقيل: معناه ذكر العبد لربه أكبر مما سواه وأفضل من جميع أعماله عن سلمان في رواية أخرى وابن زيد وقتادة وروي ذلك عن أبي الدرداء وعلى هذا فيكون تأويله إن أكبر شيء في النهي عن الفحشاء ذكر العبد ربه وأوامره ونواهيه وما أعدَّه من الثواب والعقاب فإنه أقوى لطف يدعو إلى الطاعة وترك المعصية وهو أكبر من كل لطف. وقيل: معناه ذكر الله العبد في الصلاة أكبر من الصلاة عن أبي مالك. وقيل: إن ذكر الله هو التسبيح والتقديس والتهليل وهو أكبر وأحرى بأن ينهي عن الفحشاء والمنكر. عن الفراء أي من كان ذاكراً لله فيجب أن ينهاه ذكره عن الفحشاء والمنكر.
وروي عن ثابت البناني: قال إن رجلاً أعتق أربع رقاب فقال رجل آخر: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ثم دخل المسجد فأتى حبيب بن أوفى السلمي وأصحابه فقال: ما تقولون في رجل أعتق أربع رقاب وإني أقول سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر فأيّهما أفضل فنظروا هنيهة فقالوا: ما نعلم شيئاً أفضل من ذكر الله وعن معاذ بن جبل قال: ما من عمل آدمي عمل أنجى له من عذاب الله من ذكر الله عز وجل. وقيل: ولا الجهاد في سبيل الله. قال: ولا الجهاد فإن الله عز وجل يقول {ولذكر الله أكبر} وعنه قال:
"سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم أي الأعمال أحبُّ إلى الله قال: أن تموت ولسانك رطب من ذكر الله عز وجل وقال صلى الله عليه وسلم: يا معاذ إن السابقين الذين يسهرون بذكر الله عز وجل ومن أحب أن يرتع في رياض الجنة فليكثر ذكر الله عز وجل" وروي عن عطاء بن السائب عن عبد الله بن ربيعة قال: قال ابن عباس أرأيت قول الله عز وجل ولذكر الله أكبر قال: قلت ذكر الله بالقرآن حسن وذكره بالصلاة حسن وبالتسبيح والتكبير والتهليل حسن وأفضل من ذلك أن يذكر الرجل ربه عند المعصية فينحجز عنها فقال ابن عباس لقد قلت قولاً عجيباً وما هو كما قلت ولكن ذكر الله إياكم أكبر من ذكركم إياه.
{والله يعلم ما تصنعون} من خير فيجازيكم بحسبه.