التفاسير

< >
عرض

فَلَمَّآ أَحَسَّ عِيسَىٰ مِنْهُمُ ٱلْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنصَارِيۤ إِلَى ٱللَّهِ قَالَ ٱلْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ ٱللَّهِ آمَنَّا بِٱللَّهِ وَٱشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ
٥٢
رَبَّنَآ آمَنَّا بِمَآ أَنزَلَتَ وَٱتَّبَعْنَا ٱلرَّسُولَ فَٱكْتُبْنَا مَعَ ٱلشَّٰهِدِينَ
٥٣
وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ ٱللَّهُ وَٱللَّهُ خَيْرُ ٱلْمَاكِرِينَ
٥٤
-آل عمران

مجمع البيان في تفسير القرآن

اللغة: الإحساس الإدراك بالحاسة والحس القتل لأنه يحس بألمه والحس العطف لإحساس الرقة على صاحبه والأنصار جمع نصير كالأشراف جمع شريف وأصل الحواري الحور وهو شدة البياض ومنه الحواري من الطعام لشدة بياضه قال الحرث بن حِلَّزة:

فَقُلْ لِلْحَوارِيّاتِ يَبْكِينَ غَيْرَنا وَلا تَبْكِنا إِلاَّ الكِلابُ النَّوابحُ

يعني النساء لبياضهن والشاهد هو المخبر بالشيء عن مشاهدة هذا حقيقة وقد يتصرف فيه فيقال البرهان شاهد بحق أي هو بمنزلة المخبر به عن مشاهدة ويقال هذا شاهد أي معدّ للشهادة. والمكر الالتفاف ومنه قولـهم لضرب من الشجر مكر لالتفافه والمكررة من النساء الملتفة الخلق وحدّ المكر حَبٌّ يختدع به العبد لإيقاعه في الضر والفرق بين المكر والحيلة أن الحيلة قد تكون لإظهار ما يعسر من الفعل من غير قصد إلى الإضرار بالعبد والمكر حيلة على العبد توقعه في مثل الوَهْقَ.
الإعراب: قيل إنّ إلى بمعنى مع كقولـهم الذَوْد إلى الذود إبل أي مع الذود قال الزجاج: لا يجوز أن يقال أن بعض الحروف من حروف المعاني بمعنى الآخر وإنما معنى هذا أن اللفظ لو عبر عنه بمع أفاد هذا المعنى لا أن إلى بمعنى مع لو قلت ذهب زيد إلى عمرو لم يجز أن يقول ذهب زيد مع عمرو لأن إلى غاية ومع يضم الشيء إلى الشيء والحروف قد تقارب في الفائدة فيظن الضعيف العلم باللغة أن معناهما واحد من ذلك قولـه تعالى
{ ولأصلبنكم في جذوع النخل } [طه: 71] ولو كانت على ها هنا لأتت هذه الفائدة وأصل في إنما هو للوعاء وأصل على لما علا الشيء فقولك التمر في الجراب لو قلت على الجراب لم يصح ذلك ولكن جاز في جذوع النخل لأن الجذع مشتمل على المصلوب لأنه قد أخذه من أقطاره ولو قلت زيد على الجبل أو في الجبل يصلح لأن الجبل قد اشتمل على زيد فعلى هذا مجاز هذه الحروف.
المعنى: {فلما أحس} أي وجد وقيل أبصر ورأى وقيل علم {عيسى منهم الكفر} وأنهم لا يزدادون إلا إصراراً على الكفر بعد ظهور الآيات والمعجزات امتحن المؤمنين من قومه بالسؤال والتعريف عما في اعتقادهم من نصرته {قال أنصاري إلى الله} وقيل إنه لما عرف منهم العزم على قتلـه قال من أنصاري إلى الله وفيه أقوال أحدها: أن معناه من أعواني على هؤلاء الكفار مع معونة الله عن السدي وابن جريج والثاني: أن معناه من أنصاري في السبيل إلى الله عن الحسن لأنه دعاهم إلى سبيل الله والثالث: أن معناه من أعواني على إقامة الدين المؤدي إلى الله أي إلى نيل ثوابه كقولـه:
{ إني ذاهب إلى ربي سيهدين } [الصافات: 99] ومما يسأل على هذا أن عيسى إنما بعث للوعظ دون الحرب فلم استنصر عليهم فيقال لـهم للجماعة من الكافرين الذين أرادوا قتلـه عند إظهار الدعوة عن الحسن ومجاهد وقيل أيضاً يجوز أن يكون طلب النصرة للتمكين من إقامة الحجة ولتميز الموافق من المخالف.
{قال الحواريون} واختلف في سبب تسميتهم بذلك على أقوال أولـها: أنهم سمّوا بذلك لنقاء ثيابهم عن سعيد بن جبير وثانيها: إنهم كانوا قَصّارين يبيّضون الثياب عن ابن أبي نجيح عن أبي أرطأة وثالثها: أنهم كانوا صيادين يصيدون السمك عن ابن عباس والسدي ورابعها: إنهم كانوا خاصة الأنبياء عن قتادة والضحاك، وهذا أوجه لأنهم مُدحوا بهذا الاسم كأنه ذهب إلى نقاء قلوبهم كنقاء الثوب الأبيض بالتحوير ويروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:
" "الزبير ابن عمتي وحواريي من أمتي" " وقال الحسن: الحواري الناصر. والحواريون الأنصار وقال الكلبي وأبو روق: الحواريون أصفياء عيسى وكانوا اثني عشر رجلاً. وقال عبد الله بن المبارك سُمّوا حواريين لأنهم كانوا نورانيين عليهم أثر العبادة ونورها وحسنها كما قال تعالى { سيماهم في وجوههم من أثر السجود } [الفتح: 29] {نحن أنصار الله} معناه نحن أعوان الله على الكافرين من قومك أي أعوان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأعوان دين الله و {آمنا بالله} أي صدقنا بالله أنه واحد لا شريك لـه {واشهد} يا عيسى {بأنّا مسلمون} أي لنا كن شهيداً عند الله اشهدوه على إسلامهم لأن الأنبياء شهداء على خلقه يوم القيامة كما قال تعالى { ويوم نبعث من كل أمة شهيداً } [النحل: 84] {ربنا} أي يا ربنا {آمنا بما أنزلت} على عيسى {واتبعنا الرسول} أي اتبعناه {فاكتبنا مع الشاهدين} أي في جملة الشاهدين بجميع ما أنزلت لنفوز بما فازوا به وننال ما نالوا من كرامتك وقيل معناه واجعلنا مع محمد صلى الله عليه وسلم وأمته عن ابن عباس وقد سَمّاهم الله شهداء بقولـه { لتكونوا شهداء على الناس } [البقرة: 143] أي من الشاهدين بالحق من عندك هذا كلـه حكاية قول الحواريين وروي أنهم اتبعوا عيسى وكانوا إذا جاعوا قالوا يا روح الله جعنا فيضرب بيده على الأرض سهلاً كان أو جبلاً فيخرج لكل إنسان منهم رغيفين يأكلـهما وإذا عطشوا قالوا يا روح الله عطشنا فيضرب بيده على الأرض سهلاً كان أو جبلاً فيخرج ماء فيشربون. قالوا: يا روح الله من أفضل منا إذا شئنا أطعمتنا وإذا شئنا سقيتَنا وقد آمنا بك واتبعناك قال: أفضل منكم من يعمل بيده ويأكل من كسبه فصاروا يغسلون الثياب بالكراء.
وقولـه {ومكروا} يعني كفار بني إسرائيل الذين عناهم الله بقولـه فلما أحس عيسى منهم الكفر الأية ومعناه دبّروا لقتل عيسى (ع) {ومكر الله} أي جازاهم على مكرهم وسمى المجازاة على المكر مكراً كما قال الله تعالى:
{ يستهزئ بهم } [البقرة: 15] وجاء في التفسير أن عيسى بعد إخراج قومه إياه من بين أظهرهم عاد إليهم مع الحواريين وصاح فيهم بالدعوة فهمّوا بقتلـه وتواطأوا على الفتك به فذلك مكرهم به ومكر الله بهم إلقاؤه الشبه على صاحبهم الذي أراد قتل عيسى حتى قتل وصلب ورفع عيسى إلى السماء وقال ابن عباس لما أراد ملك بني إسرائيل قتل عيسى (ع) دخل خوخته وفيها كوة فرفعه جبرائيل من الكوة إلى السماء وقال الملك لرجل منهم خبيث ادخل عليه فاقتلـه فدخل الخوخة فألقى الله عليه شبه عيسى فخرج إلى أصحابه يخبرهم أنه ليس في البيت فقتلوه وصلبوه وظنوا أنه عيسى وقال وهب أسروه ونصبوا لـه خشبة ليصلبوه فأظلمت الأرض وأرسل الله الملائكة فحالوا بينه وبينهم فأخذوا رجلاً يقال لـه يهوذا وهو الذي دَلّـهم على المسيح وذلك أن عيسى جمع الحواريين تلك الليلة وأوصاهم ثم قال: ليكفرن بي أحدكم قبل أن يصيح الديك ويبيعني بدراهم يسيرة فخرجوا وتفرقوا وكانت اليهود تطلبه فأتى أحد الحواريين إليهم فقال ما تجعلوا لي إن أدلكم عليه فجعلوا لـه ثلاثين درهماً فأخذها ودَلّـهم عليه فألقى الله عليه شبه عيسى (ع) لما دخل البيت ورفع عيسى فأخذ فقال أنا الذي دللتكم عليه فلم يلتفتوا إلى قولـه وصلبوه وهم يظنون أنه عيسى فلما صلب شبه عيسى (ع) وأتى على ذلك سبعة أيام قال الله عز وجل لعيسى اهبط على مريم لتجمع لك الحواريين وتبثّهم في الأرض دعاة فهبط واشتعل الجبل نوراً فجمعت لـه الحواريين فبثهم في الأرض دعاة ثم رفعه الله سبحانه وتلك الليلة هي الليلة التي تدخن فيها النصارى.
فلما أصبح الحواريون حدث كل واحد منهم بلغة من أرسلـه عيسى (ع) إليهم فذلك قولـه تعالى {ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين} أي أفضل المعاونين وقيل انصف الماكرين وأعدلـهم لأن مكرهم ظلم ومكره عدل وإنصاف وإنما أضاف الله المكر إلى نفسه على مزاوجة الكلام كما قال
{ فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم } [البقرة: 194] والثاني ليس باعتداء وإنما هو جزاء وهذا أحد وجوه البلاغة كالمجانسة والمطابقة والمقابلة فالمجانسة كقولـه تتقلب فيه القلوب والأبصار والمطابقة كقولـه { ماذا أنزل ربكم قالوا خيراً } [النحل: 30] بالنصب على مطابقة السؤال والمقابلة نحو قولـه { وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة } [القيامة: 22-23] { ووجوه يومئذ باسرة تظن أن يفعل بها فاقرة } [القيامة: 24-25].