التفاسير

< >
عرض

وَمِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَٰبِ مَنْ إِن تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَّنْ إِن تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لاَّ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلاَّ مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَآئِماً ذٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لَيْسَ عَلَيْنَا فِي ٱلأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ٱلْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ
٧٥
بَلَىٰ مَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ
٧٦
-آل عمران

مجمع البيان في تفسير القرآن

القراءة: قرأ حمزة وأبو بكر عن عاصم يؤده بسكون الـهاء وروي نحوه عن أبي عمرو وقرأ أبو جعفر ويعقوب بكسر الـهاء مع الاختلاس وهو الصحيح من مذهب أبي عمرو والباقون بالكسر والإشباع.
الحجة: أما سكون الـهاء فإن أكثر النحويين على أنه لا يجوز وغلط الزجاج الراوي فيه عن أبي عمرو قال وحكى سيبويه عنه وهو ضابط لمثل هذا أنَّهُ كان يكسر كسراً خفيفاً وقال الفراء هذا مذهب لبعض العرب يسكنون الـهاء إذا تحرك ما قبلـها يقولون ضربته كما يسكنون ميم أنتم وقمتم وأما الاختلاس فإنه للاكتفاء بالكسرة عن الياء وأما الإشباع فعلى الأصل.
اللغة: القنطار قد ذكرنا الخلاف في مقداره في أول السورة والدينار أصلـه دنّار بنونين فقلبت إحدى النونين ياء لكثرة الاستعمال طلباً للخفة وجمعه دنانير ودُمْتَ ودِمْتَ لغتان مثل مُتَّ ومِتَّ ولكن من كسر الدال والميم قال في المضارع تَماتُ وتَدامُ وهي لغة أزد السراة ووفى وأوفى لغتان وأهل الحجاز يقولون أوفيت وأهل نجد يقولون وَفَّيْتُ.
الإعراب: الفرق بين أن تقول تأمنه بقنطار وبين أن تقول على قنطار أن معنى الباء إلصاق الأمانة ومعنى على استعلاء الأمانة وهما يتعاقبان في هذا الموضع لتقارب المعنى كما تقول مررت به ومررت عليه وبلى يحتمل معنيين أحدهما: الإضراب عن الأول على جهة الإنكار للأول وعلى هذا الوجه يكون من أوفى بعهده مكتفية نحو قولك ما قدم زيد فيقال بلى أي بلى قد قدم زيد قال الزجاج: ها هنا وقف تام ثم استأنف من أوفى إلى الآخرة لأنهم لما قالوا ليس علينا في الأميين سبيل قيل بلى عليهم سبيل الثاني: الإضراب عن الأول والاعتماد على البيان الثاني وعلى هذا الوجه لا تكون مكتفية والفرق بين بلى ونعم أن بلى جواب النفي ونعم جواب الإثباتُ إنما جاز إمالة بلى لمشابهتها الاسم من وجهين أحدهما: أنه توقف عليها كما توقف على الاسم والآخر: أنّها على ثلاثة أحرف ولذلك خالفت لا في الإمالة.
النزول: عن ابن عباس قال يعني بقولـه من أن تأمنه بقنطار يؤده إليك عبد الله بن سلام أودعه رجل ألفا ومائتي أوقية من ذهب فأدّاه إليه فمدحه الله سبحانه، ويعني بقولـه من أن تأمنه بدينار لا يؤدّه إليك فَنْحاص بن عزوراء وذلك أن رجلاً من قريش استودعه ديناراً فخانه وفي بعض التفاسير أن الذي يؤدّي الأمانة النصارى والذين لا يؤدونه اليهود.
المعنى: ثم ذكر سبحانه معائب القوم وأن فيهم من تحرج عن العيب فقال {ومن أهل الكتاب من أن تأمنه} أي تجعلـه أميناً على قنطار أي مال كثير على ما قيل فيه من الأقوال التي مضى ذكرها في أول السورة {يؤدّه إليك} عند المطالبة ولا يخون فيه {ومنهم من إن تأمنه بدينار} أي على ثمن دينار والمراد تجعلـه أميناً على قليل من المال {لا يؤده إليك} عند المطالبة وهم كفار اليهود بالإجماع {إلا ما دمت عليه قائماً} معناه إلا أن تلازمه وتتقاضاه عن الحسن وابن زيد، وقيل إلا أن تدوم قائماً بالتقاضي والمطالبة عن قتادة ومجاهد، وقيل إلا ما دمت عليه قائماً بالإجتماع معه والملازمة عن السدي، قال ما دمت عليه قائماً أي مُلِحّاً عن ابن عباس {ذلك} أي ذلك الاستحلال والخيانة.
{بأنهم قالوا ليس علينا في الأميين سبيل} هذا بيان العلة التي كانوا لأجلـها لا يؤدون الأمانة ويميلون إلى الخيانة أي قالت اليهود ليس علينا في أموال العرب التي أصبناها سبيل لأنهم مشركون عن قتادة والسدي وقيل لأنهم تحولوا عن دينهم الذي عاملناهم عليه وذلك أنهم عاملوا جماعة منهم ثم أسلم من لـه الحق وامتنع من عليه الحق من أداء الحق وقالوا إنما عاملناكم وأنتم على ديننا فإذا فارقتموه سقط حقكم وادّعوا أن ذلك في كتبهم فاكذبهم الله في ذلك بقولـه {ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون} أنهم يكذبون لأن الله أمرهم بخلاف ما قالوا عن الحسن وابن جريج، وإنما سمّوهم أمييّن لعدم كونهم من أهل الكتاب أو لكونهم من مكة وهي أم القرى ثم الله تعالى ردّ عليهم قولـهم فقال {بلى} وفيه نفي لما قبلـه وإثبات لما بعده كأنه قال ما أمر الله بذلك ولا أحبه ولا أراده بل واجب الوفاء بالعهد وأداء الأمانة.
{من أوفى بعهده} يحتمل أن يكون الـهاء في بعهده عائده على اسم الله في قولـه {ويقولون على الله الكذب} فيكون معناه بعهد الله، وعهد الله إلى عباده أمره ونهيه، ويحتمل أن يكون عائدة إلى مَنْ ومعناه من أوفى بعهد نفسه لأن العهد يضاف تارة إلى العاهد وتارة إلى المعهود لـه {واتقى} الخيانة ونقض العهد {فإن الله يحبّ المتقين} معناه فإن الله يحبّه إلا أنه عدل إلى ذكر المتقين ليبيّن الصفة التي يجب بها محبة الله وهذه صفة المؤمن فكأنه قال والله لا يحبّ اليهود وروي عن النبي أنه قال لما قرأ هذه الآية:
" "كذب أعداء الله ما من شيء كان في الجاهلية إلا وهو تحت قدمي إلا الأمانة فإنها مؤداة إلى البر والفاجر" " وعنه قال: " "ثلاث من كنّ فيه فهو منافق وإن صلى وصام وزعم أنه مؤمن مَنْ إذا حدّث كذب وإذا وعد أخلف وإذا اؤتمن خان" " وعنه صلى الله عليه وسلم قال: "من ائتمن على أمانة فأدّاها ولو شاء لم يؤدّها زوّجه الله من الحور العين ما شاء" .