التفاسير

< >
عرض

إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ ٱلأَشْهَادُ
٥١
يَوْمَ لاَ يَنفَعُ ٱلظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ ٱلْلَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوۤءُ ٱلدَّارِ
٥٢
وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى ٱلْهُدَىٰ وَأَوْرَثْنَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ ٱلْكِتَابَ
٥٣
هُدًى وَذِكْرَىٰ لأُوْلِي ٱلأَلْبَابِ
٥٤
فَٱصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ وَٱسْتَغْفِـرْ لِذَنبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِٱلْعَشِيِّ وَٱلإِبْكَارِ
٥٥
-غافر

مجمع البيان في تفسير القرآن

القراءة: قرأ أبو جعفر وابن كثير وابن عامر وأهل البصرة يوم لا تنفع بالتاء والباقون بالياء.
الحجة: والوجهان حسنان لأن المعذرة والاعتذار بمعنى كما أن الوعظ والموعظة كذلك.
الإعراب: {يوم يقول الأشهاد} محمول على موضع قوله {في الحياة الدنيا} كما يقال جئتك أمس واليوم.
المعنى: ثم أخبر سبحانه عن نفسه بأنه ينصر رسله ومن صدقهم فقال {إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا} أي ننصرهم بوجوه النصر فإن النصر قد يكون بالحجة ويكون أيضاً بالغلبة في المحاربة وذلك بحسب ما تقتضيه الحكمة ويعلمه سبحانه من المصلحة ويكون أيضاً بالألطاف والتأييد وتقوية القلب ويكون بإهلاك العدو وكل هذا قد كان للأنبياء والمؤمنين من قبل الله تعالى فهم منصورون بالحجة على من خالفهم وقد نصروا أيضاً بالقهر على من ناوأهم وقد نصروا بإهلاك عدوّهم وإنجائهم مع من آمن معهم وقد يكون النصر بالانتقام لهم كما نصر يحيى بن زكريا لما قتل حين قتل به سبعون ألفاً فهم لا محالة منصورون في الدنيا بأحد هذه الوجوه {ويوم يقوم الأشهاد} جمع شاهد مثل الأصحاب جمع صاحب هن الذين يشهدون بالحق للمؤمنين وعلى المبطلين والكافرين يوم القيامة وفي ذلك سرور للمحق وفضيحة للمبطل في ذلك الجمع العظيم. وقيل: هم الملائكة والأنبياء والمؤمنون عن قتادة. وقيل: هم الحفظة من الملائكة عن مجاهد يشهدون للرسل بالتبليغ وعلى الكفار بالتكذيب. وقيل: هم الأنبياء وحدهم يشهدون للناس وعليهم.
ثم أخبر سبحانه عن ذلك اليوم فقال {يوم لا ينفع الظالمين معذرتهم} أي إن اعتذروا من كفرهم لم يقبل منهم وإن تابوا لم تنفعهم التوبة وإنما نفى أن تنفعهم المعذرة في الآخرة مع كونها نافعة في دار الدنيا لأن الآخرة دار الإلجاء إلى العمل والملجأ غير محمود على العمل الذي ألجىء إليه {ولهم اللعنة} أي البعد من الرحمة والحكم عليهم بدوام العقاب {ولهم سوء الدار} جهنم نعوذ بالله منها.
ثم بيَّن سبحانه نصرته موسى وقومه فقال {ولقد آتينا موسى الهدى} أي أعطيناه التوراة فيها أدلة واضحة على معرفة الله وتوحيده {وأورثنا بني إسرائيل الكتاب} أي وأورثنا من بعد موسى بني إسرائيل التوراة وما فيه من البيان {هدى} أي هو هدى أي دلالة يعرفون بها معالم دينهم {وذكرى لأولي الألباب} أي وتذكير لأولي العقول لأنهم الذين يتمكَّنون من الانتفاع به دون من لا عقل له ويجوز أن يكون هدى وذكرى منصوبين على أن يكونا مصدرين وضعا موضع الحال من الكتاب بمعنى هادياً ومذكراً ويجوز أن يكون بمعنى المفعول له أي للهدى والتذكير.
ثم أمر نبيَّه صلى الله عليه وسلم بالصبر فقال {فاصبر} يا محمد على أذى قومك وتحمل المشاق في تكذيبهم إياك {إن وعد الله} الذي وعدك به من النصر في الدنيا والثواب في الآخرة {حق} لا خلف فيه {واستغفر لذنبك} من جوَّز الصغائر على الأنبياء قال: معناه اطلب المغفرة من الله على صغيرة وقعت منك ولعظيم نعمته على الأنبياء كلفهم التوبة من الصغائر ومن لا يجوز ذلك عليهم وهو الصحيح. قال: هذا تعبّد من الله سبحانه لنبيه صلى الله عليه وسلم بالدعاء والاستغفار لكي يزيد في الدرجات وليصير سنة لمن بعده {وسبح بحمد ربك} أي نزّه الله تعالى واعترف بشكره وإضافة النعم إليه ونفي التشبيه عنه. وقيل: نزّه صفاته عن صفات المحدثين ونزّه أفعاله عن أفعال الظالمين. وقيل: معناه صلّ بأمر ربك {بالعشي} من زوال الشمس إلى الليل {والإبكار} من طلوع الفجر الثاني إلى طلوع الشمس عن مجاهد. وقيل: يريد الصلوات الخمس عن ابن عباس وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:
"قال الله جلّ جلاله: يا بن آدم اذكرني بعد الغداة ساعة وبعد العصر ساعة أكفك ما أهمك" .