التفاسير

< >
عرض

سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ ٱلثَّقَلاَنِ
٣١
فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ
٣٢
يٰمَعْشَرَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنسِ إِنِ ٱسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُواْ مِنْ أَقْطَارِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ فَٱنفُذُواْ لاَ تَنفُذُونَ إِلاَّ بِسُلْطَانٍ
٣٣
فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ
٣٤
يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِّن نَّارٍ وَنُحَاسٌ فَلاَ تَنتَصِرَانِ
٣٥
فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ
٣٦
فَإِذَا ٱنشَقَّتِ ٱلسَّمَآءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَٱلدِّهَانِ
٣٧
فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ
٣٨
فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُسْأَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلاَ جَآنٌّ
٣٩
فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ
٤٠
يُعْرَفُ ٱلْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِٱلنَّوَاصِي وَٱلأَقْدَامِ
٤١
فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ
٤٢
هَـٰذِهِ جَهَنَّمُ ٱلَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا ٱلْمُجْرِمُونَ
٤٣
يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ
٤٤
فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ
٤٥
-الرحمن

مجمع البيان في تفسير القرآن

القراءة: قرأ أهل الكوفة غير عاصم {سيفرغ} بالياء والباقون بالنون وقرأ ابن كثير {شواظ} بكسر الشين والباقون بضمها وقرأ ابن كثير وأهل البصرة غير يعقوب ونحاس بالجر والباقون بالرفع وفي الشواذ قراء قتادة والأعمش {سنفرغ} بفتح النون والراء وقراءة الأعرج سيفرغ بفتح الياء والراء ورواية أبي حاتم عن الأعمش سيفرغ وقراءة عيسى الثقفي سنفرغ بكسر النون وفتح الراء وروي عن أبي عبد الله (ع) هذه جهنم التي كنتما بها تكذبان أصلياها فلا تموتان فيها ولا تحييان.
الحجة: قال أبو علي: وجه الياء في سيفرغ أن الغيبة قد تقدم في قوله وله الجوار وقوله {هو في شأن} ويقال فرغ يفرغ وفرغ يفرغ وليس الفراغ هنا فراغاً عن شغل ولكن تأويله القصد كما قال جرير:

الآنَ فَقَدْ فَرَغْتُ إلى نُمَيْرٍ فَهذا حِينَ صِرْتُ لَهُمْ عَذابا

وقرأ ابن عامر آية الثقلان بضم الهاء وقد مضى الوجه فيه والشواظ والشواظ فيه لغتان. أبو عبيدة هو اللهب لا دخان فيه قال رؤبة:

إنَّ لَهُــمْ مِــنْ حَرْبِنا أَيْقاظا وَنار حَرْبٍ تَسْعَرُ الشُّواظَا

والنحاس الدخان قال الجَعْدي:

تُضِيءُ كَضَوْءِ سِراجِ السَّلِيـ ـطِ لَـمْ يَجْعَــلِ اللهُ فِيـهِ نُحاسا

قال أبو علي إذا كان الشواظ اللهب لا دخان فيه ضعفت قراءة من قرأ ونحاس بالجر ولا يكون على تفسير أبي عبيدة إلا الرفع في نحاس على تقدير يرسل عليكما شواظ ويرسل نحاس أي يرسل هذا مرة وهذا أخرى وقد يجوز من وجه آخر على أن تقديره يرسل عليكما شواظ من نار وشيء من نحاس فتحذف الموصوف وتقيم الصفة مقامه كقوله { ومن آياته يريكم البرق } [الرعد: 12] و { من الذين هادوا يحرفون الكلم } [النساء: 46] و { أن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به } } [النساء: 159] و { من أهل المدينة مردوا على النفاق } [التوبة: 101] فحذف الموصوف في ذلك كله فكذلك في الآية فإن قلت هذا فاعل والفاعل لا يحذف فقد جاء:

فَما راعَنا إلاَّ يَسِيرُ بِشُرْطَةٍ وَعَهـدي بِه قيناً يَفُشُّ بِكيرِ

على أن هذا الحذف قد جاء في المبتدأ في الآية التي تلونا أو بعضها وقد قالوا تسمع بالمعيدي لا أن تراه فإذا حذف الموصوف بقي بعده من نحاس الذي هو صفة لشيء محذوف وحذف من لأن ذكره قد تقدم في قوله من نار فحسن لذلك حذفها كما حسن حذف الجار من قولهم على من تنزل أنزل وكما أنشده أبو زيد من قول الشاعر:

وَأَصْبَــحَ مِنْ أسْماءَ قَيْسٌ كَقابِضٍ عَلَى الْمَاءِ لا يَدْرِي بِما هُوَ قَابِضُ

أي بما هو قابض عليه فحذف لدلالة الكلام المتقدم عليه وكما حذف الجار عند الخليل في قوله:

إن لم يجد يوماً علـى مـن يتكـلْ

يريد عنده من يتكل عليه فحذف الجار لأنه جرى ذكره قبل فيكون انجرار نحاس على هذا بمن المضمرة لا بالإشراك في من التي جرت في قوله من نار فإذا انجر بمن لم يكن للشواظ الذي هو اللهب قسط من الدخان.
اللغة: الثقلان أصله من الثقل وكل شيء له وزن وقدر فهو ثقل ومنه قيل لبيض النعامة ثقل قال:

فَتَذَكَّـرَا ثَقَلاً رَثِيداً بَعْدَ مـا أَلْقَتْ ذُكاءُ يَمِينَها في كافِرِ

وإنما سميت الإنس والجن ثقلين لعظم خطرهما وجلالة شأنهما بالإضافة إلى ما في الأرض من الحيوانات ولثقل وزنهما بالعقل والتمييز ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: "إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي" سماهما ثقلين لعظم خطرهما وجلالة قدرهما. وقيل: إن الجن والإنس سميا ثقلين لثقلهما على الأرض أحياء وأمواتاً ومنه قوله { وأخرجت الأرض أثقالها } [الزلزلة: 2] أي أخرجت ما فيها من الموتى والعرب تجعل السيد الشجاع ثقلاً على الأرض قالت الخنساء:

أَبْعَدَ ابْنِ عَمْروٍ مِنْ آلِ الشَّرِيـ دِ حَلَّــتْ بِـــهِ الأرْضُ أَثْقالَهـــا

والمعنى أنه لما مات حل عنها ثقل بموته لسؤدده ومجده. وقيل: إن المعنى زينت موتاها به من التحلية والأقطار جمع القطر وهو الناحية يقال طعنه فقطره إذا ألقاه على أحد قطريه وهما جانباه والسيما مشتق من السوم وهو رفع الثمن عن مقداره والعلامة ترفع بإظهارها لتقع المعرفة بها والناصية شعر مقدم الرأس وأصله الاتصال من قول الشاعر:

قــيٌّ تناصيــها بــلادٌ قــيُّ

أي تتصل بها فالناصية متصلة بالرأس والأقدام جمع قدم وهو العضو الذي يقدم صاحبه للوطء به على الأرض والآتي الذي بلغ نهاية حرّه أنى يأني أنيا.
المعنى: لما ذكر سبحانه الفناء والإعادة عقب ذلك بذكر الوعيد والتهديد فقال {سنفرغ لكم أيه الثقلان} أي سنقصد لحسابكم أيها الجن والإنس عن الزجاج قال والفراغ في اللغة على ضربين.
أحدهما: القصد للشيء يقال سأفرغ لفلان أي سأجعله قصدي والآخر: الفراغ من شغل والله عز وجل لا يشغله شأن عن شأن. وقيل: معناه سنعمل عمل من يفرغ للعمل فيجوده من غير تضجيع فيه. وقيل: سنفرغ لكم من الوعيد بتقضي أيامكم المتوعد فيها فشبه ذلك بمن فرغ من شيء وأخذ في آخر والشغل والفراغ من صفات الأجسام التي تحلها الأعراض وتشغلها عن الأضداد في تلك الحال ولذلك وجب أن يكون في صفة القديم تعالى مجازاً.
ويدل على أن الثقلين المراد بهما الجن والإنس قوله {يا معشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا} أي تخرجوا هاربين من الموت يقال نفذ الشيء من الشيء إذا خلص منه كالسهم ينفذ من الرمية {من أقطار السماوات والأرض} أي جوانبهما ونواحيهما والمعنى حيث ما كنتم أدرككم الموت {فانفذوا} أي فاخرجوا فلن تستطيعوا أن تهربوا منه {لا تنفذون إلا بسلطان} أي حيث توجهتم فثم ملكي ولا تخرجون من سلطاني فانا آخذكم بالموت عن عطاء ومعنى السلطان القوة التي سلط بها على الأمر ثم الملك والقدرة والحجة كلها سلطان. وقيل: لا تنفذون إلا بسلطان أي لا تخرجون إلا بقدرة من الله وقوة يعطيكموها بأن يخلق لكم مكاناً آخر سوى السماوات والأرض ويجعل لكم قوة تخرجون بها إليه فبيّن سبحانه بذلك أنهم في حبسه وأنه مقتدر عليهم لا يفوتونه وجعل ذلك دلالة على توحيده وقدرته وزجراً لهم عن معصيته ومخالفته.
وقيل: إن المعنى في الآية إن استطعتم أن تعلموا ما في السماوات والأرض فاعلموا فإنه لا يمكنكم ذلك لا تنفذون إلا بسلطان أي لا تعلمونه إلا بحجة وبيان عن ابن عباس. وقيل: لا تنفذون إلا بسلطان معناه حيث ما شاهدتم حجة الله وسلطانه الذي يدل على توحيده عن الزجاج.
{فبأي آلاء ربكما تكذبان} أي بأي نعمه تكذبان أبإخباره عن تحيركم لتحتالوا له بعمل الطاعة واجتناب المعصية أو بإخباره عنكم أنكم لا تنفذون إلا بحجة لتستعدوا لذلك اليوم.
{يرسل عليكما شواظ من نار} وهو اللهب الأخضر المنقطع من النار {ونحاس} وهو الصفر المذاب للعذاب عن مجاهد وابن عباس وسفيان وقتادة. وقيل: النحاس الدخان عن ابن عباس في رواية أخرى وسعيد بن جبير. وقيل: النحاس المهل عن ابن مسعود والضحاك والمعنى لا تنفذون ولو جاز أن تنفذوا وقدرتم عليه لأرسل عليكم العذاب من النار المحرقة. وقيل: معناه أنه يقال لهم ذلك يوم القيامة {يرسل عليكما} أي يرسل على من أشرك منكما وقد جاء في الخبر يحاط على الخلق بالملائكة بلسان من نار ينادون يا معشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من إلى قوله {يرسل عليكما شواظ من نار}.
وروى مسعدة بن صدقة عن كليب قال كنا عند أبي عبد الله (ع) فأنشأ يحدثنا فقال إذا كان يوم القيامة جمع الله العباد في صعيد واحد وذلك أنه يوحي إلى السماء الدنيا أن اهبطي بمن فيك فيهبط أهل السماء الدنيا بمثلي من في الأرض من الجن والإنس والملائكة ثم يهبط أهل السماء الثانية بمثل الجميع مرتين فلا يزالون كذلك حتى يهبط أهل سبع سماوات فيصير الجن والإنس في سبع سرادقات من الملائكة ثم ينادي منادٍ {يا معشر الجن والإنس إن استطعتم} الآية فينظرون فإذا قد أحاط بهم سبعة أطواق من الملائكة.
وقوله {فلا تنتصران} أي فلا تقدران على دفع ذلك عنكما وعن غيركما وعلى هذا فيكون فائدة الآية أن عجز الثقلين عن الهرب من الجزاء كعجزهم عن النفوذ من الأقطار وفي ذلك اليأس من رفع الجزاء بوجه من الوجوه.
{فبأي آلاء ربكما تكذبان} أي بإخباره إياكم عن هذه الحالة لتتحرزوا عنها أم بغيره من النعم فإن وجه النعمة في إرسال الشواظ من النار والنحاس على الثقلين هو ما في ذلك لهم من الزجر في دار التكليف عن مواقعة القبيح وذلك نعمة جزيلة.
{فإذا انشقت السمآء} يعني يوم القيامة إذا تصدعت السماء وانفك بعضها من بعض {فكانت وردة} أي فصارت حمراء كلون الفرس الورد وهو الأبيض الذي يضرب إلى الحمرة أو الصفرة فيكون في الشتاء أحمر وفي الربيع أصفر وفي اشتداد البرد أغبر سبحان خالقها والمصرف لها كيف يشاء والوردة واحدة الورد فشبه السماء يوم القيامة في اختلاف ألوانها بذلك. وقيل: أراد به وردة النبات وهي حمراء وقد تختلف ألوانها ولكن الأغلب في ألوانها الحمرة فتصير السماء كالوردة في الاحمرار ثم تجري {كالدهان} وهو جمع الدهن عند انقضاء الأمر وتناهي المدة قال الحسن هي كالدهان التي يصب بعضها على بعض بألوان مختلفة. قال الفراء: شبه تلون السماء بتلون الوردة من الخيل وشبه الوردة في اختلاف ألوانها بالدهن واختلاف ألوانه وهو قول مجاهد والضحاك وقتادة. وقيل: الدهان الأديم الأحمر وجمعه أدهنة عن الكلبي. وقيل: هو عكر الزيت يتلون ألواناً عن عطاء بن أبي رياح.
{فبأي آلآء ربكما تكذبان} وجه النعمة في انشقاق السماء حتى وقع التقرير بها هو ما في الإخبار به من الزجر والتخويف في دار الدنيا.
{فيومئذ} يعني يوم القيامة {لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جان} أي لا يسأل المجرم عن جرمه في ذلك الموطن لما يلحقه من الذهول الذي تحار له العقول وإن وقعت المسألة في غير ذلك الوقت بدلالة قوله
{ وقفوهم إنهم مسؤولون } [الصافات: 24] وتقدير الآية فيومئذٍ لا يسأل إنس عن ذنبه ولا جان عن ذنبه. وقيل: معناه فيومئذٍ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جان سؤال استفهام ليعرف ذلك بالمسالة من جهته لأن الله تعالى قد أحصى الأعمال وحفظها على العباد وإنما يسألون سؤال تقريع وتوبيخ للمحاسبة. وقيل: إن أهل الجنة حسان الوجوه وأهل النار سود الوجوه فلا يسألون من أي الحزبين هم ولكن يسألون عن أعمالهم سؤال تقريع وروي عن الرضا (ع) أنه قال: فيومئذٍ لا يسأل منكم عن ذنبه إنس ولا جان والمعنى أن من اعتقد الحق ثم أذنب ولم يتب في الدنيا عذب عليه في البرزخ ويخرج يوم القيامة وليس له ذنب يسأل عنه.
{يعرف المجرمون بسيماهم} أي بعلامتهم وهي سواد الوجوه وزرقة العيون عن الحسن وقتادة. وقيل: بإمارات الخزي {فيؤخذ بالنواصي والأقدام} فتأخذهم الزبانية فتجمع بين نواصيهم وأقدامهم بالغل ثم يسحبون في النار ويقذفون فيها عن الحسن وقتادة. وقيل: تأخذهم الزبانية بنواصيهم وبأقدامهم فتسوقهم إلى النار والله أعلم.
{هذه جهنم} أي ويقال لهم هذه جهنم {التي يكذب بها المجرمون} الكافرون في الدنيا قد أظهرها الله تعالى حتى زالت الشكوك فأدخلوها ويمكن أنه لما أخبر الله سبحانه أنهم يؤخذون بالنواصي والأقدام قال للنبي صلى الله عليه وسلم: "هذه جهنم التي يكذب بها المجرمون من قومك فسيردونها فليَهن عليك أمرهم".
{يطوفون بينها وبين حميم آن} أي يطوفون مرة بين الجحيم ومرة بين الحميم فالجحيم النار والحميم الشراب عن قتادة. وقيل: معناه أنهم يعذبون بالنار مرة ويتجرعون من الحميم يصب عليهم ليس لهم من العذاب أبداً فرج عن ابن عباس والآني الذي انتهت حرارته. وقيل: الآني الحاضر.
{فبأي آلاء ربكما تكذبان} الوجه في ذلك أن التذكير بفعل العقاب والإنذار به من أكبر النعم لأن في ذلك زجراً عما يستحق به العذاب وحثاً وبعثاً على فعل ما يستحق به الثواب.