التفاسير

< >
عرض

ٱلرَّحْمَـٰنُ
١
عَلَّمَ ٱلْقُرْآنَ
٢
خَلَقَ ٱلإِنسَانَ
٣
عَلَّمَهُ ٱلبَيَانَ
٤
ٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ
٥
وَٱلنَّجْمُ وَٱلشَّجَرُ يَسْجُدَانِ
٦
وَٱلسَّمَآءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ ٱلْمِيزَانَ
٧
أَلاَّ تَطْغَوْاْ فِي ٱلْمِيزَانِ
٨
وَأَقِيمُواْ ٱلْوَزْنَ بِٱلْقِسْطِ وَلاَ تُخْسِرُواْ ٱلْمِيزَانَ
٩
وَٱلأَرْضَ وَضَعَهَا لِلأَنَامِ
١٠
فِيهَا فَاكِهَةٌ وَٱلنَّخْلُ ذَاتُ ٱلأَكْمَامِ
١١
وَٱلْحَبُّ ذُو ٱلْعَصْفِ وَٱلرَّيْحَانُ
١٢
فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ
١٣
-الرحمن

مجمع البيان في تفسير القرآن

القراءة: قرأ ابن عامر والحب ذا العصف والريحان بالنصب فيهما جميعاً وقرأ حمزة والكسائي وخلف والحب ذو العصف بالرفع والريحان بالجر والباقون بالرفع في الجميع وفي الشواذ قراءة أبي السماك والسماء رفعها بالرفع وقرأ بلال بن أبي بردة ولا تخسروا بفتح التاء والسين وبكسر السين أيضاً.
الحجة: قال أبو علي: قال أبو عبيدة العصف الذي يعصف فيؤكل من الزرع وهي العصيفة قال علقمة بن عبدة:

تَسْقي مَذَانِبَ قَدْ مالَتْ عَصيفَتُها حُـدُودُها مِنْ أَتي الماءِ مَطْمُومُ

والريحان الحب الذي يؤكل يقال سبحانك وريحانك أي ورزقك قال النمر بن تغلب:

سَلامُ الإِلــهِ وَرَيْحانُهِ وَرَحْمَتُهُ وَسَماءٌ دَرِرْ

وقيل العصف والعصيفة ورق الزرع وعن قتادة العصف التبن ومن قرأ {والحب ذا العصف} حمله على وخلق الحب وخلق الريحان وهو الرزق ويقوي ذلك قوله { فأخرجنا به أزواجاً من نبات شتى } [طه: 53] ومن رفع الريحان فالتقدير فيها فاكهة والريحان والحب ذو العصف ومن جر فالتقدير فالحب ذو العصف وذو الريحان أي من الحب الرزق فإن قلت فإنَّ العصف والعصيفة رزق أيضاً فكأنه قال ذو الرزق وذو الرزق قيل هذا لا يمتنع لأن العصيفة رزق غير الرزق الذي أوقع الريحان عليه وكأن الريحان أريد به الحب إذا خلص من لفائفه فأوقع عليه الرزق لعموم المنفعة به وأنه رزق للناس وغيرهم ويبعد أن يكون الريحان المشموم في هذا الموضع إنما هو قوت الناس والأنعام كما قال { فأخرجنا به أزواجاً من نبات شتى كلوا وارعوا أنعامكم } [طه: 53، 54].
وقوله والسماء رفعها قال ابن جني الرفع هنا أظهر من قراءة الجماعة وذلك أنه صرفه إلى الابتداء لأنه عطفه على الجملة المركبة من المبتدأ والخبر وهي قوله {والنجم والشجر يسجدان} فأما قراءة العامة بالنصب فإنها معطوفة على يسجدان وحدها وهي جملة من فعل وفاعل والعطف يقتضي التماثل في تركيب الجمل فيصير تقديره يسجدان ورَفَعَ السماء فلما أضمر رفع فسره بقوله رفعها كقولك قام زيد وعمراً ضربته أي وضربت عمراً لتعطف جملة من فعل وفاعل على أخرى مثلها.
وأما قوله تخسروا بفتح التاء فإنه على حذف حرف الجر أي لا تخسروا في الميزان فلما حذف حرف الجر أفضى إليه الفعل فنصبه كقوله
{ وأقعدوا لهم كل مرصد } [التوبة: 5] أي في كل مرصد أو على كل مرصد وأما تخسروا بفتح التاء وكسر السين فعلى خسرت الميزان وإنما المشهور أخسرته تقول خسر الميزان وأخسرته ويشبه أن يكون خسرته لغة في أخسرته نحو أجبرت الرجل وجبرته وأهلكته وهلكته.
اللغة: الرحمن هو الذي وسعت رحمته كل شيء فلذلك لا يوصف به إلا الله تعالى وأما راحم ورحيم فيجوز أن يوصف بهما العباد والبيان هو الأدلة الموصلة إلى العلم. وقيل: البيان إظهار المعنى للنفس بما يتميز من غيره كتميز معنى رجل من معنى فرس ومعنى قادر من معنى عاجز ومعنى عام من معنى خاص والحسبان مصدر حسبته أحسبه حساباً وحسباناً نحو السكران والكفران. وقيل: هو جمع حساب كشهاب وشهبان والنجم من النبات ما لم يقم على ساق نحو العشب والبقل والشجر ما قام على ساق وأصله الطلوع. يقال: نجم القرن والنبات إذا طلعا وبه سمي نجم السماء لطلوعه والأكمام جمع كم وهو وعاء ثمرة النخل تكمم في وعائه إذا اشتمل عليه والآلاء النعم واحدها إلى على وزن معى وإلى على وزن قفا عن أبي عبيدة.
الإعراب: الرحمن آية مع أنه ليس بجملة لأنه في تقدير الله الرحمن حتى تصح الفاصلة فهو خبر مبتدأ محذوف نحو قوله سورة أنزلناها أي هذه سورة ألا تطغوا تقديره لأن لا تطغوا فهو في محل نصب بأنه مفعول له ولفظه نفي ومعناه نهي ولذلك عطف عليه بقوله وأقيموا الوزن وقوله فيها فاكهة مبتدأ وخبر في موضع نصب على الحال.
المعنى: {الرحمن} افتتح سبحانه هذه السورة بهذا الاسم ليعلم العباد أن جميع ما وصفه يعد من أفعاله الحسنى إنما صدرت من الرحمة التي تشمل جميع خلقه وكأنه جواب لقولهم وما الرحمن في قوله وإذا قيل لهم اسجدوا للرحمن قالوا: وما الرحمن. وقد روي أنه لما نزل قوله
{ قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن } [الإسراء: 11] قالوا: ما نعرف الرحمن إلا صاحب اليمامة فقيل لهم الرحمن.
{علم القرآن} أي علم محمداً صلى الله عليه وسلم القرآن وعلّمه محمد صلى الله عليه وسلم أمته عن الكلبي. وقيل: هو جواب لأهل مكة حين قالوا إنما يعلمه بشر فبيّن سبحانه أن الذي علمه القرآن هو الرحمن والتعليم هو تبيين ما به يصير من لم يعلم عالماً والإعلام إيجاد ما به يصير عالماً ذكر سبحانه النعمة فيما علم من الحكمة بالقرآن الذي احتاج إليه الناس في دينهم ليؤدوا ما يجب عليهم ويستوجبوا الثواب بطاعة ربهم قال الزجاج: معنى {علم القرآن} يسّره لأن يذكر.
{خلق الإنسان} أي أخرجه من العدم إلى الوجود والمراد بالإِنسان هنا آدم (ع) عن ابن عباس وقتادة.
{علمه البيان} أي أسماء كل شيء واللغات كلها قال الصادق (ع): البيان الاسم الأعظم الذي به علم كل شيء. وقيل: الإِنسان اسم الجنس. وقيل: معناه الناس جميعاً. علمه البيان أي النطق والكتابة والخط والفهم والإفهام حتى يعرف ما يقول وما يقال له عن الحسن وأبي العالية وابن زيد والسدي وهذا هو الأظهر الأعم. وقيل: البيان هو الكلام الذي يبين به عن مراده وبه يتميز من سائر الحيوانات عن الجبائي. وقيل: خلق الإِنسان يعني محمداً صلى الله عليه وسلم علمه البيان يعني ما كان وما يكون عن ابن كيسان.
{الشمس والقمر بحسبان} أي يجريان بحسبان ومنازل لا يعدوانها وهما يدلان على عدد الشهور والسنين والأوقات عن ابن عباس وقتادة فأضمر يجريان وحذفه لدلالة الكلام عليه وتحقيق معنا أنهما يجريان على وتيرة واحدة وحساب متفق على الدوام لا يقع فيه تفاوت فالشمس تقطع بروج الفلك في ثلاثمائة وخمسة وستين يوماً وشيء والقمر في ثمانية وعشرين يوماً فيجريان أبداً على هذا الوجه وإنما خصهما بالذكر لما فيهما من المنافع الكثيرة للناس من النور والضياء ومعرفة الليل والنهار ونضج الثمار إلى غير ذلك فذكرهما لبيان النعمة بهما على الخلق.
{والنجم والشجر يسجدان} يعني بالنجم نبت الأرض الذي ليس له ساق وبالشجر ما كان له ساق يبقى في الشتاء عن ابن عباس وسعيد بن جبير وسفيان الثوري. وقيل: أراد بالنجم نجم السماء وهو موحد والمراد به جميع النجوم والشجر يسجدان لله بكرة وعشياً كما قال في موضع آخر والشجر والدواب عن مجاهد وقتادة وقال أهل التحقيق: إن المعنى في سجودهما هو ما فيهما من الآية الدالة على حدوثهما وعلى أن لهما صانعاً أنشاهما وما فيهما من الصنعة والقدرة التي توجب السجود. وقيل: سجودهما سجود ظلالهما كقوله
{ يتفيأ ظلاله عن اليمين والشمائل سجداً لله وهم داخرون } [النحل: 48] عن الضحاك وسعيد بن جبير والمعنى فيه أن كل جسم له ظل فهو يقتضي الخضوع بما فيه من دليل الحدوث وإثبات المحدث المدبر. وقيل: معنى سجودهما أنه سبحانه يصرفهما على ما يريده من غير امتناع فجعل ذلك خضوعاً ومعنى السجود الخضوع كما في قوله ترى الأكم فيها سجداً للحوافر عن الجبائي.
{والسمآء رفعها} أي ورفع السماء رفعها فوق الأرض دل سبحانه بذلك على كمال قدرته {ووضع الميزان} يعني آلة الوزن للتوصل إلى الإنصاف والانتصاف عن الحسن وقتادة قال قتادة هو الميزان المعهود ذو اللسانين. وقيل: المراد بالميزان العدل والمعنى أنه أمرنا بالعدل عن الزجاج ويدل عليه قوله {ألا تطغوا في الميزان} أي لا تتجاوزوا فيه العدل والحق إلى البخس والباطل تقديره فعلت ذلك لئلا تطغوا ويحتمل أيضاً أن يكون لا تطغوا نهياً منفرداً وتكون أن مفسرة بمعنى أي. وقيل: إن المراد بالميزان القرآن الذي هو أصل الدين فكأنه تعالى بيَّن أدلة العقل وأدلة السمع وإنما أعاد سبحانه ذكر الميزان من غير إضمار ليكون الثاني قائماً بنفسه في النهي عنه إذا قيل لهم لا تطغوا في الميزان.
{وأقيموا الوزن بالقسط} أي أقيموا لسان الميزان بالعدل إذا أردتم الأخذ والإعطاء {ولا تخسروا الميزان} أي لا تنقصوه بالبخس والجور بل سووه بالإنصاف والعدل قال سفيان بن عيينة الإقامة باليد والقسط بالقلب.
{والأرض وضعها للأنام} لما ذكر السماء الأرض في مقابلتها أي وبسط الأرض ووطأها للناس. وقيل: الأنام كل شيء فيه روح عن ابن عباس. وقيل: الأنام الجن والإنس عن الحسن. وقيل: جميع الخلق من كل ذي روح عن مجاهد وعبر عن الأرض بالوضع لما عبر عن السماء بالرفع وفي ذلك بيان النعمة على الخلق وبيان وحدانية الله تعالى كما في رفع السماء.
{فيها فاكهة} أي في الأرض ما يتفكه به من ألوان الثمار المأخوذة من الأشجار {والنخل ذات الأكمام} أي الأوعية والغلف وثمر النخل يكون في غلف ما لم ينشق. وقيل: الأكمام ليف النخل الذي تكم فيه عن الحسن. وقيل: معناه ذات الطلع لأنه الذي يتغطى بالأكمام عن ابن زيد.
{والحب} يريد جميع الحبوب مما يحرث في الأرض من الحنطة والشعير غيرهما {ذو العصف} أي ذو الورق فإذا يبس وديس صار تبناً عن مجاهد والجبائي. وقيل: العصف التبن لأن الريح تعصفه أي تطيره عن ابن عباس وقتادة والضحاك. وقيل: هو بقل الزرع وهو أول ما ينبت منه عن السدي والفراء {والريحان} يعني الرزق في قول الأكثرين وقال الحسن وابن زيد: هو ريحانكم الذي يشم وقال الضحاك الريحان الحب المأكول والعصف الورق الذي لا يؤكل فهو رزق الدواب والريحان رزق الناس فذكر سبحانه قوت الناس والأنعام.
ثم خاطب الإنس والجن بقوله {فبأي آلاء ربكما تكذبان} أي فبأي نعم ربكما من هذه الأشياء المذكورة تكذبان لأنها كلها منعم عليكم بها والمعنى أنه لا يمكن جحد شيء من هذه النعم فأَما الوجه لتكرار هذه الآية في هذا السورة فإنما هو التقرير بالنعم المعدودة والتأكيد في التذكير بها فكلما ذكر سبحانه نعمة أنعم بها قرر عليها ووبخ على التكذيب بها كما يقول الرجل لغيره أما أحسنت إليك حين أطلقت لك مالاً أما أحسنت إليك حين ملكتك عقاراً أما أحسنت إليك حين بنيت لك داراً فيحسن فيه التكرار لاختلاف ما يقرره به ومثله كثير في كلام العرب وأشعارهم قال مهلهل بن ربيعة يرثي أخاه كليباً:

عَلى أَنْ لَيْسَ عَدْلاً مِنْ كُلَيْبٍ إذا طُــرِدَ الْيَتِيمُ عَن الْجَزُورِ
عَلى أَنْ لَيْسَ عَدْلاً مِنْ كُلَيْبٍ إذا ما ضِيـــمَ جِيرانُ الْمُجِيرِ
عَلى أَنْ لَيْسَ عَدْلاً مِنْ كُلَيْبٍ إذا رُجِفَ العِضاةُ مِنَ الدَّبُورِ
عَلى أَنْ لَيْسَ عَدْلاً مِنْ كُلَيْبٍ إذا خَــــرَجَتْ مُخَبَّأَةُ الخُدُورِ
عَلى أَنْ لَيْسَ عَدْلاً مِنْ كُلَيْبٍ إذا ما أُعْلِنَتْ نَجْوى الصُّدُورِ

وقالت ليلى الأخيلية ترثي توبة بن الحمير:

وَنِعْمَ الْفَتـى يا تَـوْبَ كُنْتَ إذا الْتَقَتْ صُدُورُ الْعَوالِي وَاسْتَشال الأَسافِلُ
وَنِعْـــمَ الْفَتــى يا تَوْبَ كُنْتَ لِخائِفٍ أَتاكَ لِكَـيْ تَحْمــي وَنِعْمَ الْمُجامِلُ
وَنِعْمَ الْفَتى يا تَوْبَ جاراً وَصاحِباً وَنِعْــمَ الْفَتى يا تَــوْبَ حِينَ تُناضِلُ
لَعَمْـــري لأَنْــتَ الْمَرْءُ أبْكـي لِفَقْدِهِ وَلَوْ لامَ فِيـــهِ ناقِـــصُ الرَّأيِ جاهِلُ
لَعَمْـــري لأَنْــتَ الْمَرْءُ أبْكـي لِفَقْدِهِ إِذَا كَثُــرَتْ بِالْمُلْجِمِيــــنَ التَّلاتِــلُ
أَبــى لَكَ ذَمَّ النَّـاسِ يا تَوْبَ كُلَّمـا ذُكِـرْتَ أُمُــــورُ مُحْكَمــاتٌ كَوَامِلُ
أَبــى لَكَ ذَمَّ النَّـاسِ يا تَوْبَ كُلَّمـا ذُكِــرْتَ سَمــاحٌ حِينَ تأوي الأَرامِلُ
فَلا يُبْعِـــدَنْــكَ اللهُ يا تَـــوْبَ إنَّمــا كَـــذاكَ الْمَنايــا عاجِــلاتُ وَآجِلُ
وَلا يُبْعِدْنَــــكَ اللهُ يا تَــوْبَ إنَّمـــا لَقيــتَ حَمــامَ الْمَوْتِ وَالْمَوْتُ عاجِلُ

فخرجت في هذه الأبيات من تكرار إلى تكرار لاختلاف المعاني التي عددتها وقال الحارث بن عباد:

قَرّبـــا مَرْبَطَ النّعامَــــةِ منّي لَقِحَتْ حَرْبَ وائِلٍ عَنْ حِيالِ

وكرر هذه اللفظة قرباً مربط النعامة مني في أبيات كثيرة وفي أمثال هذا كثرة وهذا هو الجواب بعينه عن التكرار لقوله {ويل يومئذ للمكذبين} في المرسلات.