التفاسير

< >
عرض

وَكَم مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَآءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتاً أَوْ هُمْ قَآئِلُونَ
٤
فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ إِذْ جَآءَهُمْ بَأْسُنَآ إِلاَّ أَن قَالُوۤاْ إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ
٥
-الأعراف

مجمع البيان في تفسير القرآن

الإعراب: كم لفظة موضوعة للتكثير ورب للتقليل وإنما كان كذلك لأن رب حرف وكم اسم والتقليل ضرب من النفي وكم يدخل في الخبر بمعنى التكثير فأما في الاستفهام فلا لأن الاستفهام موكول إلى بيان المجيب وإنما دخلها التكثير لأن استبهام العدد عن أن يظهر أو يضبط إنما يكون لكثرته في غالب الأمر وكم مبهمة قال الفرزدق:

كَمْ عمّةٍ لَكَ يا جَريرُ وَخالَةٍ فَدْعاءَ قَدْ حَلَبَتْ عَلَيَّ عِشاري

فدل بكم على كثرة العمات والخالات وموضع كم في الآية رفع بالابتداء وخبرها أهلكناها ولو جعلتها في موضع نصب جاز كما تقول في قولـه سبحانه { إنّا كل شيء خلقناه بقدر } [القمر: 49] والأول أجود. وقيل: في دخول الفاء في قولـه {فجاءها بأسنا بياتاً} مع أن الفاء للتعقيب أقوال أحدها: أهلكناها في حكمنا فجاءها بأسنا والثاني: أهلكناها بإرسال ملائكة العذاب إليها فجاءها بأسنا والثالث: أنه مثل زرتني فأكرمتني فإن نفس الإكرام هي الزيارة قال علي بن عيسى: وليس هذا مثل ذلك لأن هذا إنما جاز لأنه قصد الزيارة ثم الإكرام بها والرابع: أهلكناها فصح أنه جاءها بأسنا وقال الفراء: إن الفاء ها هنا بمعنى الواو ورَدَّ عليه علي بن عيسى بأنه نقل حرف عن معناه بغير دليل وذلك لا يجوز.
وقولـه {أو هم قائلون} قال الفراء: واو الحال مقدرة فيه وتقديره أو وهم قائلون وإنما حذفت استخفافاً قال الزجاج: وهذا لا يحتاج إلى ضمير الواو ولو قلت جاءني زيد راجلاً أو هو فارس أو جاءني زيد هو فارس لم يحتج إلى واو لأن الذكر قد عاد إلى الأول ومعنى بياتاً أي ليلاً يقال بات بياتاً حسناً وبيتةً حسنةً والمصدر في الأصل بات بيتاً وإنما سمي البيت بيتاً لأنه يصلح للمبيت.
فمعنى أو هم قائلون أي أو جاءهم بأسنا نهاراً في وقت القائلة فأو دخلت ها هنا على جهة تصرف الشيء ووقوعه وأما مرة كذا فهي في الخبر ها هنا بمنزلة أو في الإباحة إذا قلت جالس الحسن أو ابن سيرين أي كل واحد منهما أهل أن يجالس وأو ها هنا أحسن من الواو لأن الواو يتضمن اجتماع الشيئين لو قلت ضربت القوم قياماً وقعوداً لأوجبت الواو أنك ضربتهم وهم على هاتين الحالتين ولو قلت ضربتهم قياماً أو ضربتهم قعوداً ولم تكن شاكاً فإنما المعنى أنك ضربتهم مرة على هذه الحال ومرة على هذه الحال.
وأقول إن الأولى أن يكون بياتاً مصدراً وضع موضع الحال فيكون بمعنى بائتين أو قائلين فيكون حالاً عن الهاء والميم في جاءهم وموضع أن قالوا الاختيار أن يكون رفعاً وأن يكون دعواهم في موضع نصب كقولـه
{ وما كان جواب قومه إلا أن قالوا } [الأعراف: 82] ويجوز أن يكون في موضع نصب ويكون الدعوى في موضع رفع إلا أن الدعوى إذا كانت في موضع رفع فالأكثر في اللفظ فما كانت دعواهم كذا لأن الدعوى مؤنثة وهي اسم لما تدعيه وتصلح أن تكون بمعنى الدعاء حكى سيبويه اللهم أشركنا في صالح دعوى المسلمين وأنشد:

وَلَّتْ وَدَعْواها كثيرٌ صَخْبُه

أي دعاؤها.
المعنى: لما تقدم الأمر منه سبحانه للمكلفين باتباع القرآن والتحذير من مخالفته والتذكير عقَّب ذلك تذكيرهم ما نزل بمن قبلهم من العذاب وتحذيرهم أن ينزل بهم ما نزل بأولئك فقال {وكم من قرية} أي من أهل قرية فحذف المضاف لدلالة الكلام عليه {أهلكناها} بعذاب الاستئصال {فجاءها بأسنا} أي عذابنا {بياتاً} بالليل {أو هم قائلون} أي في وقت القيلولة وهي نصف النهار وأصله الراحة ومنه الإقالة في البيع لأنه الإراحة منه بالإعفاء من عقده والأخذ بالشدة في وقت الراحة أعظم في العقوبة فلذلك خص الوقتين بالذكر.
{فما كان دعواهم إذ جاءهم بأسنا} أي لم يكن دعاء هؤلاء الذين أهلكناهم عقوبة لهم على معاصيهم وكفرهم في الوقت الذي جاءهم شدة عذابنا {إلا أن قالوا إنا كنا ظالمين} يعني اعترافهم بذلك على نفوسهم واقرارهم به وهذا القول كان منهم عند معاينة البأس والتيقن بأنه ينزل بهم ويجوز أن يكونوا قالوه حين لابسهم طرف منه ولم يهلكوا بعد وفي هذا دلالة على أن الاعتراف والتوبة عند معاينة البأس لا ينفع.