التفاسير

< >
عرض

يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِذَا لَقِيتُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ زَحْفاً فَلاَ تُوَلُّوهُمُ ٱلأَدْبَارَ
١٥
وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرِّفاً لِّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلَىٰ فِئَةٍ فَقَدْ بَآءَ بِغَضَبٍ مِّنَ ٱللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ
١٦
فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ رَمَىٰ وَلِيُبْلِيَ ٱلْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاۤءً حَسَناً إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ
١٧
-الأنفال

مجمع البيان في تفسير القرآن

اللغة: اللقاء الاجتماع على وجه المقاربة لأن الاجتماع قد يكون على غير وجه المقاربة فلا يكون لقاء كاجتماع الإعراض في المحل والواحد والزحف الدنو قليلاً قليلاً والتزاحف التداني يقال زَحَفَ يَزْحَفُ زحفاً وأزحفت للقوم إذا دنوت لقتالهم وثبت لهم قال الليث: الزحف جماعة يزحفون إلى عدو لهم بمرة وجمعه زحوف والتولية جعل الشيء يلي غيره يقال ولاّه دبره إذا جعله يليه فهو يتعدى إلى مفعولين ومنه ولاّه البلد من ولاية الإمارة وتولى هو إذا قبل الولاية وأولاه نعمة لأنه جعلها تليه والتحرف الزوال عن جهة الاستواء إلى جهة الحرف ومنه الاحتراف وهو أن يقصد جهة الحرف لطلب الرزق والمحارف المحدود عن جهة الرزق إلى جهة الحرف ومنه حروف الهجاء لأنها أطراف الكلمة كحرف الجبل ونحوه.
والتحيّز طلب حيّز يتمكن فيه والحيز المكان الذي فيه الجوهر والفئة القطعة من الناس وهي جماعة منقطعة عن غيرها وذكر الفئة في هذا الموضع حسن جداً وهو من فأوت رأسه بالسيف إذا قطعته..
الإعراب: زحف نصب على المصدر وهو في موضع الحال لأن معناه متزاحفين مجتمعين ومتحرفاً متحيّزاً منصوبان على الحال أيضاً ويجوز أن يكون النصب فيهما على الاستثناء أي إلا أن يكون رجلاً متحيزاً أو أن يكون منفرداً فينحاز ليكون مع المقاتلة ويومئذٍ يجوز إعرابه وبناؤه فالإعراب لأنه متمكن أضيف على تقدير الإضافة الحقيقية كقولك هذا يوم ذاك وأما البناء فلأنه أضيف إلى مبني إضافة غير حقيقية فأشبه الأسماء المركبة.
المعنى: لمّا أمَدَّ الله سبحانه المسلمين بالملائكة ووعدهم النصر والظفر بالكفار نهاهم عقيبه عن الفرار فقال سبحانه {يا أيها الذين آمنوا} قيل إنه خطاب لأهل بدر وقيل هو عام {إذا لقيتم الذين كفروا زحفاً} أي متدانين لقتالكم قال الزجاج: معناه إذا واقفتموهم للقتال {فلا تولوهم الأدبار} يعني فلا تجعلوا ظهوركم مما يليهم أي فلا تنهزموا.
{ومن يولهم يومئذٍ دبره} أي ومن يجعل ظهره إليهم يوم القتال ووجهه إلى جهة الانهزام وأراد بقولـه يومئذٍ ذلك الوقت ولم يرد به بياض النهار خاصة دون الليل {إلاّ متحرفاً لقتال} أي إلا تاركاً موقفاً إلى موقف آخر أصلح للقتال من الأول عن الحسن. وقيل: معناه إلا منعطفاً مستطرداً كأنه يطلب عورة يمكنه إصابتها فيتحرف عن وجهه ويرى أنه يفرّ ثم يكرّ والحرب كرّ وفرّ {أو متحيزاً إلى فئة} أي منحازاً منضماً إلى جماعة من المسلمين يريدون العود إلى القتال ليستعين بهم {فقد باء بغضب من الله} أي احتمل غضب الله واستحقه. وقيل: رجع بغضب من الله.
{ومأواه جهنم} أي مرجعه إلى جهنم {وبئس المصير} وأكثر المفسرين على أن هذا الوعيد خاص بيوم بدر خاصة ولم يكن لهم يومئذٍ أن ينحازوا لأنه لم يكن يومئذٍ في الأرض فئة للمسلمين فأما بعد ذلك فإن المسلمين بعضهم فئة لبعض وهو قول أبي سعيد الخدري وابن عباس في رواية الكلبي والحسن وقتادة والضحاك ووردت الرواية عن ابن عمر قال بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في سرية فلقوا العدو فجاض الناس جيضة وأتينا المدينة فتخبأنا بها وقلنا يا رسول الله نحن الفرّارون فقال بل أنتم العكّارون وأنا فئتكم. وقيل: إنه عام في جميع الأوقات وأن من فر من الزحف إذا لم يزيدوا على ضعفي المسلمين لحقه الوعيد عن ابن عباس في رواية أخرى وهو قول الجبائي وأبي مسلم.
ثم نفى سبحانه أن يكون المسلمون قتلوا المشركين يوم بدر فقال {فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم} وإنما نفى الفعل عمن هو فعله على الحقيقة ونسبه إلى نفسه وليس بفعل له من حيث كانت أفعاله تعالى كالسبب لهذا الفعل والمؤدي إليه من إقداره إياهم ومعونته لهم وتشجيع قلوبهم وإلقاء الرعب في قلوب أعدائهم والمشركين حتى قتلوا.
{وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى} خطاب للنبي ذكر جماعة من المفسرين كابن عباس وغيره
"أن جبرائيل (ع) قال للنبي صلى الله عليه وسلم يوم بدر خذ قبضة من تراب فارمهم بها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لما التقى الجمعان لعلي: أعطني قبضة من حصا الوادي فناولـه كفاً من حصا عليه تراب فرمى به في وجوه القوم وقال: شاهت الوجوه فلم يبق مشرك إلا دخل في عينه وفمه ومنخريه منها شيء ثم ردفهم المؤمنون يقتلونهم ويأسرونهم وكانت تلك الرمية سبب هزيمة القوم" .
وقال قتادة وأنس: " ذكر لنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ يوم بدر ثلاث حصيات فرمى بحصاة في ميمنة القوم وحصاة في ميسرة القوم وحصاة بين أظهرهم. وقال: شاهت الوجوه فانهزموا" فعلى هذا إنما أضاف الرمي إلى نفسه لأنه لا يقدر أحد غيره على مثله فإنه من عجائب المعجزات.
{وليبلي المؤمنين منه بلاء حسناً} أي ولينعم عليهم به نعمة حسنة أي فعل ذلك إنعاماً على المؤمنين والضمير في منه راجع إلى النصر أي من ذلك النصر ويجوز أن يكون راجعاً إلى الله تعالى {إن الله سميع} لدعائكم {عليم} بأفعالكم وضمائركم وإنما يقال للنعمة بلاء كما يقال للمضرة بلاء لأن أصل البلاء ما يظهر به الأمر من الشكر والصبر فيبتلي سبحانه عباده أي يختبرهم بالنعم ليظهر شكرهم عليها وبالمحن والشدائد ليظهر عندها الصبر الموجب للأجر والبلاء الحسن ها هنا هو النصر والغنيمة والأجر والمثوبة.
النظم. وقيل: في وجه اتصال هذه الآية بما قبلها وجهان:
أحدهما: أنه سبحانه لما أمرهم بالقتال في الآية المتقدمة ذكر عقيبها أن ما كان من الفتح يوم بدر وقهر المشركين إنما كان بنصرته ومعونته تذكير للنعمة عن أبي مسلم.
والآخر: أنهم لما أمروا بالقتال ثم كان بعضهم يقول أنا قتلت فلاناً وأنا فعلت كذا نزلت الآية على وجه التنبيه لهم لئلا يعجبوا بأعمالهم.