التفاسير

< >
عرض

يَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ مَا قَالُواْ وَلَقَدْ قَالُواْ كَلِمَةَ ٱلْكُفْرِ وَكَفَرُواْ بَعْدَ إِسْلاَمِهِمْ وَهَمُّواْ بِمَا لَمْ يَنَالُواْ وَمَا نَقَمُوۤاْ إِلاَّ أَنْ أَغْنَاهُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ مِن فَضْلِهِ فَإِن يَتُوبُواْ يَكُ خَيْراً لَّهُمْ وَإِن يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ ٱللَّهُ عَذَاباً أَلِيماً فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ فِي ٱلأَرْضِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ
٧٤
-التوبة

مجمع البيان في تفسير القرآن

اللغة: الهمُّ مقارنة الفعل بتقليبه في النفس تقول: همَّ بالشيء يهُمّ هماً وليس الهم من العزم في شيء إلا أن يبلغ نهاية القوة في النفس والنيل لحوق الأمر يقال: نال ما اشتهى أو تمنى أي أدركه ونقم منه شيئاً أي أنكر قال:

ما نَقَمُوا مِنْ بني أميَّة إلاّ أَنَّهُمْ يَحْلِمُونَ إنْ غَضِبُوا

والفضل: الزيادة في الخير على مقدار ما وأما التفضل فهو الزيادة من الخير الذي كان للقادر عليه أن يفعله وأن لا يفعله.
النزول: اختلف في من نزلت فيه هذه الآية فقيل:
"إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان جالساً في ظل شجرة فقال: إنه سيأتيكم إنسان فينظر إليكم بعيني الشيطان فلم يلبثوا أن طلع رجل أزرق فدعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: علام تشتمني أنت وأصحابك فانطلق الرجل فجاء بأصحابه فحلفوا بالله ما قالوا فأنزل الله هذه الآية" عن ابن عباس. وقيل: "خرج المنافقون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى تبوك فكانوا إذا خلا بعضهم ببعض سبُّوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه وطعنوا في الدين فنقل ذلك حذيفة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لهم: ما هذا الذي بلغني عنكم فحلفوا بالله ما قالوا شيئاً من ذلك" عن الضحاك.
وقيل: نزلت في جلاس بن سويد بن الصامت وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب ذات يوم بتبوك وذكر المنافقين فسمّاهم رجساً وعابهم فقال الجلاس والله لئن كان محمد صادقاً فيما يقول فنحن شرّ من الحمير فسمعه عامر بن قيس فقال: أجل والله إن محمداً لصادق وأنتم شرّ من الحمير فلما انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة أتاه عامر بن قيس فأخبره بما قال الجلاس فقال الجلاس كذب يا رسول الله فأمرهما رسول الله أن يحلفا عند المنبر فقام الجلاس عند المنبر فحلف بالله ما قال ثم قام عامر فحلف بالله لقد قاله ثم قال اللهم أنزل على نبيك الصادق منا الصدق فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: والمؤمنون آمين فنزل جبرائيل (ع) قبل أن يتفرقا بهذه الآية حتى بلغ {فإن يتوبوا يك خيراً لهم} فقام الجلاس فقال يارسول الله أسمع الله قد عرض عليَّ التوبة صدق عامر بن قيس فيما قال لك لقد قلته وأنا أستغفر الله وأتوب إليه فقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك منه عن الكلبي ومحمد بن إسحاق ومجاهد.
وقيل: نزلت في عبد الله بن أبي ابن سلول حين قال: لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجنَّ الأعزَّ منها الأذل عن قتادة. وقيل: نزلت في أهل العقبة فإنهم ائتمروا في أن يغتالوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في عقبة عند مرجعهم من تبوك وأرادوا أن يقطعوا انساع راحلته ثم ينخسوا به فأطلعه الله تعالى على ذلك وكان من جملة معجزاته لأنه لا يمكن معرفة مثل ذلك إلا بوحي من الله تعالى فسار رسول الله صلى الله عليه وسلم في العقبة وعمار وحذيفة معه أحدهما يقود ناقته والآخر يسوقها وأمر الناس كلهم بسلوك بطن الوادي، وكان الذي همّوا بقتله اثني عشر رجلاً أو خمسة عشر رجلاً على الخلاف فيه عرفهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وسمّاهم بأسمائهم واحداً واحداً عن الزجاج والواقدي والكلبي والقصة مشروحة في كتاب الواقدي وقال الباقر (ع) كانت ثمانية منهم من قريش وأربعة من العرب.
المعنى: ثم أظهر سبحانه أسرار المنافقين فقال: {يحلفون بالله ما قالوا} يعني أنهم حلفوا كاذبين ما قالوا ما حكي عنهم ثم حقَّق عليهم ذلك وأقسم سبحانه بأنهم قالوا ذلك لأن اللام في: {ولقد قالوا} لام القسم و {كلمة الكفر} كل كلمة فيها جحد لنعم الله تعالى وكانوا يطعنون في الإسلام {وكفروا بعد إسلامهم} أي بعد إظهار إسلامهم يعني ظهر كفرهم بعد أن كان باطناً.
{وهمّوا بما لم ينالوا} قيل فيه ثلاثة أقوال أحدها: أنهم همّوا بقتل النبي صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة والتنفير بناقته عن الكلبي ومجاهد وغيرهما وثانيها: أنهم هموا بإخراج الرسول من المدينة فلم يبلغوا ذلك عن قتادة والسدي وثالثها: أنهم همّوا بالفساد والتضريب بين أصحابه ولم ينالوا ذلك عن الجبائي:
{وما نقموا إلا أن أغناهم الله ورسوله من فضله} معناه أنهم عملوا بضدّ الواجب فجعلوا موضع شكر النعمة أن نقموها وبيانه أنهم نقموا فيما ليس بموضع للنقمة فإنه لم يكن للمسلمين ذنب ينقمونه منهم بل الله تعالى أباح لهم الغنائم وأغناهم بذلك فقابلوا النعمة بالكفران وكان من حقهم أن يقابلوها بالشكر وقد مرَّ هذا المعنى عند قولـه:
{ قل يا أهل الكتاب هل تنقمون منا } [المائدة: 59] الآية في سورة المائدة وإنما لم يقل من فضلهما لأنه لا يجمع بين اسم الله واسم غيره في الكناية تعظيماً لله ولذلك "قال النبي صلى الله عليه وسلم لمن سمعه يقول من أطاع الله ورسوله فقد اهتدى ومن عصاهما فقد غوى: بئس خطيب القوم أنت فقال: كيف أقول يا رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: قل ومن يعص الله ورسوله" وهكذا القول في قولـه سبحانه: {والله ورسوله أحق أن يرضوه}. وقيل: إنما لم يقل من فضلهما لأن فضل الله سبحانه منه وفضل رسول الله من فضل الله:
{فإن يتوبوا يك خيراً لهم} أي فإن يتب هؤلاء المنافقون ويرجعوا إلى الحق يكن ذلك خيراً لهم في الدنيا والآخرة فإنهم ينالون بذلك رضا الله ورسوله والجنة {وإن يتولوا} أي يعرضوا عن الرجوع إلى الحق وسلوك الطريق المستقيم {يعذبهم الله عذاباً أليماً} مؤلماً {في الدنيا} بما ينالهم من الحسرة والغم وسوء الذكر {و} في {الآخرة} بعذاب النار {وما لهم في الأرض} أي ليس لهم في الأرض {من وليّ} أي محبّ: {ولا نصير} ينصرهم ويدفع عنهم عذاب الله.