التفاسير

< >
عرض

كَمَآ أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِٱلْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقاً مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ
٥
يُجَادِلُونَكَ فِي ٱلْحَقِّ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى ٱلْمَوْتِ وَهُمْ يَنظُرُونَ
٦
وَإِذْ يَعِدُكُمُ ٱللَّهُ إِحْدَى ٱلطَّآئِفَتِيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ ٱلشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُحِقَّ الحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ ٱلْكَافِرِينَ
٧
لِيُحِقَّ ٱلْحَقَّ وَيُبْطِلَ ٱلْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ ٱلْمُجْرِمُونَ
٨
-الأنفال

تفسير القرآن

قال: {كما أخرجك ربك من بيتك بالحق وإن فريقاً من المؤمنين لكارهون يجادلونك في الحق بعد ما تبين كأنما يساقون إلى الموت وهم ينظرون} [5-6] وكان سبب ذلك أن عيراً لقريش خرجت إلى الشام فيها خزائنهم، فأمر رسول الله أصحابه بالخروج ليأخذوها فأخبرهم أن الله قد وعده إحدى الطائفتين أما العير وأما قريش أن أظفر بهم، فخرج في ثلاث مائة وثلاثة عشر رجلاً، فلما قارب بدر كان أبو سفيان في العير فلما بلغه أن الرسول صلى الله عليه وآله قد خرج يتعرض العير خاف خوفاً شديداً ومضى إلى الشام فلما وافى البهرة اكترى ضمضم الخزاعي بعشرة دنانير وأعطاه قلوصاً وقال له امض إلى قريش واخبرهم أن محمداً والصباة من أهل يثرب قد خرجوا يتعرضون لعيركم فأدركوا العير وأوصاه أن يخرم ناقته ويقطع أذنها حتى يسيل الدم ويشق ثوبه من قبل ودبر فإذا دخل مكة ولى وجهه إلى ذنب البعير وصاح بأعلى صوته يا آل غالب! اللطيمة اللطيمة العير العير ادركوا ادركوا! وما أراكم تدركون، فإن محمداً والصباة من أهل يثرب قد خرجوا يتعرضون لعيركم، فخرج ضمضم يبادر إلى مكة ورأت عاتكه بنت عبد المطلب قبل قدوم ضمضم في منامها بثلاثة أيام كأن راكباً قد دخل مكة ينادي يا آل عذر يا آل فهر اغدوا إلى مصارعكم صبح ثالث ثم وافى بجملة على أبي قبيس فأخذ حجراً فدهده من الجبل فما ترك من دور قريش إلا أصابها منه فلذة وكان وادي مكة قد سال من أسفله دماً فانتبهت ذعرة فأخبرت العباس بذلك فأخبر العباس عتبة بن ربيعة، فقال عتبة مصيبة تحدث في قريش وفشت الرؤيا في قريش وبلغ ذلك أبا جهل فقال ما رأت عاتكة هذه الرؤيا وهذه نبية ثانية في بني عبد المطلب واللات والعزى لننتظر ثلاثة أيام فإن كان ما رأت حقاً فهو كما رأت وإن كان غير ذلك لنكتبن بيننا كتاباً إنه ما من أهل بيت من العرب أكذب رجالاً ولا نساءً من بني هاشم، فلما مضى يوم قال أبو جهل هذا يوم قد مضى فلما كان اليوم الثاني قال أبو جهل هذان يومان قد مضيا، فلما كان اليوم الثالث وافى ضمضم ينادي في الوادي "يا آل غالب يا آل غالب اللطيمة اللطيمة العير العير ادركوا ادركوا وما أراكم تدركون فإن محمداً والصباة من أهل يثرب قد خرجوا يتعرضون لعيركم التي فيها خزائنكم" فتصايح الناس بمكة وتهيئوا للخروج وقام سهيل بن عمرو وصفوان بن أمية وأبو البختري بن هشام ومنية وبنية ابنا الحجاج ونوفل بن خويلد فقال: يا معشر قريش والله ما أصابكم مصيبة أعظم من هذه أن يطمع محمد والصباة عن أهل يثرب أن يتعرضوا لعيركم التي فيها خزائنكم فوالله ما قرشي ولا قرشية إلا ولها في هذه العير شيء فصاعداً وأنه لذل والصغار أن يطمع محمد في أموالكم ويفرق بينكم وبين متجركم فأخرجوا، وأخرج صفوان بن أمية خمس مائة دينار وجهز بها، وأخرج سهيل بن عمرو خمس مائة وما بقي أحد من عظماء قريش إلا أخرجوا مالاً وحملوا وقووا وأخرجوا على الصعب والذلول ما يملكون أنفسهم كما قال الله تعالى: خرجوا من ديارهم بطراً ورثاء الناس، وخرج معهم العباس بن عبد المطلب ونوفل بن الحارث وعقيل ابن أبي طالب وأخرجوا معهم القينان يشربون الخمر ويضربون بالدفوف.
وخرج رسول الله صلى الله عليه وآله في ثلاث مائة وثلاثة عشر رجلاً، فلما كان بقرب بدر على ليلة منها بعث بشير بن أبي الرعبا (بن أبي الدعناء خ ل) ومجد بن عمرو يتجسسان خبر العير فأتيا ماء بدر وأناخا راحلتيهما واستعذبا من الماء، وسمعا جاريتين قد تشبثت احديهما بالأخرى وتطالبها بدرهم كان لها عليها فقالت عير قريش نزلت أمس في موضع كذا وكذا وهي تنزل غداً ها هنا وأنا أعمل لهم وأقضيك، فرجع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله إليه فأخبراه بما سمعا، فأقبل أبو سفيان بالعير فلما شارف بدر تقدم العير وأقبل وحده حتى انتهى إلى ماء بدر وكان بها جل من جهينة يقال له كسب الجهني فقال له يا كسب هل لك علم بمحمد وأصحابه؟ قال لا، قال واللات والعزى لأن كتمتنا أمر محمد لا يزال قريش معادية لك آخر الدهر فإنه ليس أحد من قريش إلا وله في هذه العير النش فصاعداً فلا تكتمي، فقال والله ما لي علم بمحمد وما بال محمد وأصحابه بالتجار ألا واني رأيت في هذا اليوم راكبين أقبلا واستعذبا من الماء وأناخا راحلتيهما ورجعا فلا أدري من هما، فجاء أبو سفيان إلى موضع مناخ إبلهما ففت أبعار الإِبل بيده فوجد فيها النوى فقال هذه علايف يثرب هؤلاء عيون محمد، فرجع مسرعاً وأمر بالعير فأخذ بها نحو ساحل البحر وتركوا الطريق ومروا مسرعين ونزل جبرائيل على رسول الله صلى الله عليه وآله فأخبره أن العير قد افلتت وأن قريشاً قد أقبلت لتمنع عن عيرها وأمره بالقتال ووعده النصر، وكان نازلاً ماء الصفراء فأحب أن يبلو الأنصار لأنهم إنما وعدوه أن ينصروه في الدار، فأخبرهم أن العير قد جازت وإن قريشاً قد أقبلت لتمنع عن عيرها وأن الله قد أمرني بمحاربتهم، فجزع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله من ذلك وخافوا خوفاً شديداً، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله اشيروا علي، فقام الأول فقال يا رسول الله إنها قريش وخيلاؤها ما آمنت منذ كفرت ولا ذلت مند عزت، ولم يخرج علي هيئة الحرب، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله له اجلس فجلس قال اشيروا علي فقام الثاني فقال مثل مقالة الاول فقال صلى الله عليه وآله اجلس فجلس ثم قام المقداد فقال يا رسول الله وإنا قد آمنا بك وصدقناك وشهدنا أن ما جئت به حق من عند الله ولو أمرتنا أن نخوض جمر الغضا وشوك الهراش خضنا معك ولا نقول لك ما قالت بنو إسرائيل لموسى
{ اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ها هنا قاعدون } [المائدة: 24] ولكنا نقول: "امض لأمر ربك فإنا معك مقاتلون" فجزاه النبي صلى الله عليه وآله خيراً ثم جلس ثم قال أشيروا علي، فقام سعد بن معاذ، فقال بأبي أنت وأمي يا رسول الله كأنك أردتنا؟ قال: نعم قال: فلعلك خرجت على أمر قد أمرت بغيره قال: نعم قال: بأبي أنت وأمي يا رسول الله إنا قد آمنا بك وصدقناك وشهدنا أن ما جئت به حق من عند الله فمرنا بما شئت وخذ من أموالنا ما شئت واترك منه ما شئت والذي أخذت منه أحب إلي من الذي تركت منه، والله لو أمرتنا أن نخوض هذا البحر لخضناه معك، فجزاه خيراً ثم قال سعد بأبي أنت وأمي يا رسول الله والله ما خضت هذا الطريق قط وما لي به علم وقد خلفنا بالمدينة قوماً ليس نحن بأشد جهاداً لك منهم ولو علموا أنه الحرب لما تخلفوا ولكن نعد لك الرواحل ونلقى عدونا فإنا نصبر عند اللقاء، أنجاد في الحرب وإنا لنرجو أن يقر الله عينك بنا فإن يك ما تحب فهو ذلك وإن يكن غير ذلك قعدت على رواحلك فلحقت بقومنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله أو يحدث الله غير ذلك، كأني بمصرع فلان ها هنا وبمصرع فلان ها هنا وبمصرع أبي جهل وعتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة ومنية وبنية ابني الحجاج فإن الله قد وعدني إحدى الطائفتين ولن يخلف الله الميعاد، فنزل جبرائيل عليه السلام علي رسول الله صلى الله عليه وآله بهذه الآية: {كما أخرجك ربك من بيتك بالحق - إلى قوله - ولو كره المجرمون} [5-8] فأمر رسول الله صلى الله عليه وآله بالرحيل حتى نزل عشاءً على ماء بدر وهي العدوة الشامية.
وأقبلت قريش فنزلت بالعدوة اليمانية، وبعثت عبيدها تستعذب من الماء فأخذهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وحبسوهم، فقالوا لهم من أنتم؟ قالوا نحن عبيد قريش، قالوا فأين العير؟ قالوا لا علم لنا بالعير، فأقبلوا يضربونهم، وكان رسول الله صلى الله عليه وآله يصلي فانفتل من صلاته فقال إن صدقوكم ضربتموهم وإن كذبوكم تركتموهم عليّ بهم، فأتوا بهم فقال لهم من أنتم؟ قالوا يا محمد نحن عبيد قريش، قال كم القوم قالوا لا علم لنا بعددهم، قال كم ينحرون في كل يوم جزوراً؟ قالوا تسعة أو عشرة، فقال صلى الله عليه وآله تسعمائة أو ألف، ثم قال فمن فيهم من بني هاشم؟ قال العباس بن عبد المطلب ونوفل بن الحارث وعقيل بن أبي طالب، فأمر رسول الله صلى الله عليه وآله بهم فحبسوهم، وبلغ قريشاً ذلك فخافوا خوفاً شديداً، ولقي عتبة بن ربيعة أبا البختري بن هشام (بن هاشم بن عبد المطلب ك) فقال له أما ترى هذا البغي والله ما أبصر موضع قدمي خرجنا لنمنع عيرنا وقد أفلتت فجئنا بغياً وعدواناً، والله ما أفلح قوم قط بغوا ولوددت أن ما في العير من أموال بني عبد مناف ذهب كله ولم نسر هذا الميسر، فقال له أبو البختري إنك سيد من سادات قريش، تحمل العير التي أصابها محمد صلى الله عليه وآله وأصحابه بنخلة (بنخيلة خ ل) ودم ابن الحضرمي فإنه حليفك، فقال عتبة أنت علي بذلك وما علي أحد منا خلاف إلا ابن حنظلة يعني: أبا جهل فسر إليه وأعلمه إني قد تحملت العير التي قد أصابها محمد ودم ابن الحضرمي.
فقال أبو البختري فقصدت خباء‌ه فإذا هو قد أخرج درعاً له فقلت له إن أبا الوليد بعثني إليك برسالة، فغضب ثم قال: أما وجد عتبة رسولاً غيرك؟ فقلت: أما والله لو غيره أرسلني ما جئت ولكن أبا الوليد سيد العشيرة، فغضب أشد من الأولى، فقال: تقول سيد العشيرة! فقلت أنا أقوله؟ وقريش كلها تقوله، إنه قد تحمل العير ودم ابن الحضرمي، فقال إن عتبة أطول الناس لساناً وأبلغهم في الكلام ويتعصب لمحمد فإنه من بني عبد مناف وابنه معه، ويريد أن يحذر (يخذل ك) بين الناس لا واللات والعزى حتى نقتحم عليهم بيثرب ونأخذهم أسارى فندخلهم مكة وتتسامع العرب بذلك ولا يكونن بيننا وبين متجرنا أحد نكرهه.
رجع الحديث إلى تفسير الآيات التي لم تكتب في قوله: {وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم} [7] قال العير أو قريش وقوله: {وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم} قال: ذات الشوكة الحرب قال: تودون العير لا الحرب {ويريد الله أن يحق الحق بكلماته} قال الكلمات الأئمة عليهم السلام.