التفاسير

< >
عرض

بِسمِ ٱلله الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ
١
-الفاتحة

التبيان الجامع لعلوم القرآن

الاعراب ـ اجمع القراء على ضم الدال من الحمد وكسر اللام الاولى من لله وكان يجوز أن يفتح الدال مع كسر اللام ويكسر الدال واللام لكن لم يقرأ به إلا أهل البوادي. ومن نصب فعلى المصدر. ومن كسرهما اتبع كسرة الدال كسرة اللام ومن ضمهما اتبع ضم الدال بضمة اللام.
ونصب الدال لغة في قريش والحارث بن اسامة بن لؤي. وكسرها لغة في تمميم وغطفان. وضمها لغة في ربيعة توهموا انه حرف واحد مثل الحلم. وقوله: لله مخفوض بالاضافة ورب العالمين مخفوض لانه نعت ويجوز نصبه على الحال والنداء وما قرىء به. والعالمين مخفوض بالاضافة ونونها مفتوحة لانها نون الجمع فرقاً بينها وبين نون التثنية. وبعض قيس يحذف الالف التي قبل الهاء ويخلس الهاء ويشددها ويقصرها. انشد بعضهم:

ألا لا بارك الله في سهيل اذا ما بارك الله في الرجال

اختلس الاولى واشبع الثانية. ولا يقرأ بهذا.
ومعنى الحمد لله الشكر لله خالصاً دون سائر ما يعبد بما أنعم على عباده من ضروب النعم الدينية والدنياوية وقال بعضهم: الحمد لله ثناء عليه باسمائه وصفاته وقوله الشكر لله ثناء على نعمه وأياديه؛ والأول أصح في اللغة، لأن الحمد والشكر يوضع كل واحد منهما موضع صاحبه. ويقال أيضاً: الحمد الله شكراً فنصب شكراً على المصدر، ولو لم يكن في معناه لما نصبه، ودخول الألف واللام فيه لفائدة الاستيعاب، فكانه قال جميع الحمد لله، لأن التالي مخبر بذلك، ولو نصبه فقال حمداً لله أفاد أن القائل هو الحامد فحسب وليس ذلك المراد، ولذلك اجتمعت القراء على ضم الدال على ما بيناه، والتقدير: قوله الحمد لله. واذا كان الحمد هو الشكر، والشكر هو الاعتراف بالنعمة على ضرب من التعظيم فالمدح ليس من الشكر في شيء وانما هو القول المنبىء عن عظم حال الممدوح مع القصد اليه.
وأما الرب فله معان في اللغة: فيسمى السيد المطاع رباً، قال لبيد بن ربيعة:

فاهلكن يوماً رب كندة وابنه ورب معد بين خبت وعرعر

يعني سيد كندة. ومنه قوله تعالى: {أما أحدكما فيسقي ربه خمراً} يعني سيده ويسمى الرجل المصلح رباً. قال الفرزدق بن غالب:

كانوا كسالئة حمقاء اذ حقنت سلائها في اديم غير مربوب

يعني غير مصلح ومنه قيل فلان رب ضيعة اذا كان يحاول اتمامها. والربانيون من هذا من حيث كانوا مدبرين لهم. واشتق رب من التربية يقال ربيته وربيته بمعنى واحد والربىّ الشاة ولدت حديثاً لأنها تربى. وقوله {رب العالمين} أي المالك لتدبيرهم. والمالك للشيء يسمى ربه ولا يطلق هذا الاسم إلا على الله، وأما في غيره فبقيد فيقال: رب الدار ورب الضيعة. وقيل انه مشتق من التربية ومنه قوله تعالى: {وربائبكم اللاتي في حجوركم} ومتى قيل في الله انه رب بمعنى انه سيد فهو من صفات ذاته. واذا قيل بمعنى انه مدبر مصلح فهو من صفات الأفعال
والعالمين جمع عالم وعالم لا واحد له من لفظه كالرهط والجيش وغير ذلك، والعالم في عرف اللغة عبارة عن الجماعة من العقلاء لأنهم يقولون جاءني عالم من الناس ولا يقولون جاءني عالم من البقر وفي عرف الناس عبارة عن جميع المخلوقات وقيل انه ايضاً اسم لكل صنف من الأصناف وأهل كل زمن من كل صنف يسمى عاماً ولذلك جمع. وقيل عالمون لعالم كل زمان. قال العجاج:
فخندف هامة هذا العالم
وهذا قول اكثر المفسرين كابن عباس وسعيد بن جبير وقتادة وغيرهم. واشتقاقه من العلامة لأنه علامة ودلالة على الصانع تعالى. وقيل انه من العلم ـ على ما روى ابن عباس ـ قال هم صنف من الملائكة والانس والجن لأنه يصح ان يكون كل صنف منهم عالماً. فان قيل كيف يجوز ان يقول الحمد لله والقائل هو الله تعالى وان كان يجب ان يقول الحمد لنا. قيل العالي الرتبة اذا خاطب من دونه لا يقول كما يقول للنظير. ألا ترى ان السيد يقول لعبده الواجب ان تطيع سيدك ولا تعصيه، وكذلك يقول الأب لابنه يلزمك أن تبر أباك والمنة لأبيك. والخلفاء يكتبون عن انفسهم إن أمير المؤمنين رأى كيت وكيت ليقع ذلك موقع اجلال واكرام واعظام. على انا قد بينا ان المراد بذلك: قولوا الحمد لله، وحذف لدلالة الكلام عليه.