التفاسير

< >
عرض

ذَلِكَ ٱلْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ
٢
-البقرة

التبيان الجامع لعلوم القرآن

ذلكَ الكتابُ
هذه لفظة يشار بها إلى ما قرب، وذلك إلى ما بعد، وذاك إلى ما بينهما ويحتمل أن يكون معنى ذلك ها هنا هذا؛ على قول عكرمة وجماعة من أهل العربية كالاخفش وأبي عبيدة وغيرهما؛ قال:

أقول له والرمح يأطر متنه تأمل خفافاً انني أنا ذلكا

أي انني انا هذا. وقال تعالى ذلك عالم الغيب والشهادة، وهو موجود في الحال وانما جاز أن يستعمل هذا، وهي اشارة إلى حاضر، بمعنى ذلك وهي اشارة إلى غايب لأنه كالحاضر عند الغايب. ألا ترى ان الرجل يحدث حديثاً فيقول السامع هذا كما قلت وربما قال ان ذلك كما قلت وانما جاز ذلك لقرب جوابه من كلام المخبر، وكذلك لما قال تعالى {آلم} وذكرنا معنى ذلك، قال لنبيه: يا محمد هذا الذي ذكرته وبينته، ذلك الكتاب. فلذلك حسن وضع ذلك في مكان هذا، إلا أنه اشارة إلى ما مضى. وقال قوم: ان معناه ذلك الكتاب الذي وعدوا به على لسان موسى وعيسى كما قال الذين اتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون ابناءهم يعني: هذا ذلك الكتاب. وقال قوم: انما اشار إلى ما كان نزل من القرآن بمكة من السور فقال ذلك، والأول اقوى لأنه اشبه باقوال المفسرين. واما من حمل ذلك على انه اشار به إلى التوراة والانجيل فقد ابطل لأنه وصفه بانه لا ريب فيه وانه هدى للمتقين، ووصف ما في ايديهم بانه مغير محرّف في قوله: { يحرفون الكلم عن مواضعه } } قوله تعالى:
لا رَيْبَ فِيهِ:
القراءة ـ قرأ ابن كثير بوصل الهاء بياء في اللفظ، وكذلك كل هاء كناية قبلها ياء ساكنة فان كان قبلها ساكن غير الياء وصلها بالواو. ووافقه حفص في قوله: فيه مهانا. ووافقه المنسى في قوله: واشركه في أمري. ووافقه قتيبة في قوله: فملاقيه وسأصليه. فمن كسر الهاء مع ان الأصل الضمة فلأجل الياء والكسرة اللتين قبلها. والهاء تشبه الألف لأنها من حروف الحلق ولما فيها من الخفاء: فكما نحوا بالألف نحو الياء بالامالة لأجل الكسرة والياء كذلك كسروا الهاء للكسرة والياء لتتجانس الصورتان، وذلك حسن وتركوا الاشباع كراهية اجتماع المقاربة كما كرهوا اجتماع الامثال، ومن أشبع وأتبعها الياء، فان الهاء وإن كانت خفية فليس يخرجها ذلك من ان تكون كغيرها من حروف المعجم التي لا خفاء فيها نحو الراء والصاد وان الهاء والنون عند الجميع في وزن الشعر بمنزلة الراء والصاد وان كان في الراء تكرير وفي الصاد استطالة، فاذا كان كذلك كان حجزها بين الساكنين كحجز غيرها من الحروف التي لا خفاء فيها
المعنى:
ومعنى لا ريب فيه، أي لا شك فيه. والريب الشك، وهو قول ابن عباس ومجاهد وعطاء والسدي وغيرهم. وقيل: هو أشد الشك وهو مصدر رابني الشيء يريبني قال ساعدة بن جويه الهذلي:

وقالوا تركن الحي قد حصروا به فلا ريب ان قد كان ثم لحيم

أي أطافوا به واللحيم القتيل، يقال لحم اذا قتل والهاء فيه عائدة على الكتاب ويحتمل ان يكون لا ريب فيه خبراً، والمعنى انه حق في نفسه، ولا يكون المراد به انه لا يقع فيه ريب لأن من المعلوم أن الريب واقع فيه من الكفار وفي صحته ويجري ذلك مجرى الخبر اذا كان مخبره على ما هو به في أنه يكون صدقا وان كذبه قوم ولم يصدقوه. ويحتمل أن يكون معناه الأمر أي تيقنوه ولا ترتابوا فيه
قوله تعالى:
هُدىً لِلمتقِينَ
المعنى:
معناه نور وضياء ودلالة للمتقين من الضلالة وانما خص المتقين بذلك وان كان هدى لغيرهم من حيث انهم هم الذين اهتدوا به وانتفعوا به كما قال:
{ { إنما تنذر من اتبع الذكر } وان كان انذر من لم يتبع الذكر ويقول القائل: في هذا الأمر موعظة لي اولك وان كان فيه موعظة لغيرهما. ويقال هديت فلانا الطريق اذا ارشدته ودللته عليه، أهديه هداية
الاعراب:
ويحتمل ان يكون منصوبا على الحال من الكتاب وتقديره ذلك الكتاب هاديا للمتقين وذلك يكون مرفوعاً بآلم. والكتاب نعت لذلك، ويحتمل ان يكون حالا من الهاء في (فيه)، كأنه قال: لا ريب فيه هاديا ويحتمل ان يكون رفعاً من وجوه:
أولها ـ ان يكون خبراً بعد خبر كأنه قال: هذا كتاب هدى أي قد جمع انه الكتاب الذي وعدوا به وانه هدى كما يقولون: هذا حلو حامض يريدون انه قد جمع الطعمين. ويحتمل ان يكون رفعاً بانه خبر ابتداء محذوف وتقديره هو هدى لأن الكلام الأول قد تم ويحتمل ان يكون رفعه على قولك ذلك الكتاب لا ريب كأنك قلت: هذا الكتاب حق لأن لا شك بمعنى حق. ثم قال بعد ذلك فيه هدى للمتقين. وهدى يذكر في جميع اللغات وحكي عن بعض بني اسد هذه هدى حسنة تدغم النون في اللام عند الاكثر (والمتقين) مجرور باللام والمتقي هو الذي يتقي بصالح اعماله عذاب الله مأخوذ من اتقاء المكروه بما يجعله حاجزاً بينه وبينه كما قال ابو حية النميري:

والقت قناعاً دونه الشمس واتقت باحسن موصولين كف ومعصم

وقيل ان المتقين هم الذين اتقوا ما حرم عليهم وفعلوا ما وجب عليهم. وقيل ان المتقين هم الذين يرجون رحمة الله ويحذرون عقابه. وقيل ان المتقين هم الذين اتقوا الشرك وبرئوا من النفاق وهذا الوجه ضعيف لأنه يلزم عليه وصف الفاسق المتهتك بانه متق اذا كان برياً من الشرك والنفاق. وأصل الاتقاء الحجز بين الشيئين ومنه اتقاه بالترس لأنه جعله حاجزاً بينه وبينه واتقاه بحق كذلك ومنه الوقاية لأنها تحجز بين الرأس والاذى.
ومن التقية في اظهار خلاف الابطان. والفرق بينه وبين النفاق: ان المنافق يظهر الخير ويبطن الشر، والمتقي يظهر القبيح ويبطن الحسن. ويقال وقاه يقيه وقاية وتوقاه توقياً.