التفاسير

< >
عرض

يَٰـأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱعْبُدُواْ رَبَّكُمُ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ
٢١
-البقرة

التبيان الجامع لعلوم القرآن

القراءة:
أفصح اللغات فتح الهاء بـ {أيها} وبعض بني مالك من بني اسد رهط شقيق بن سلمة يقولون: يا أيه الناس ويا أيته المرأة ويا أيه الرجل ولا يقرأ بها. ومن رفعها توهمها آخر الحروف وقد حذفت الألف في الكتابة من ثلاثة مواضع: أيه المؤمنون ويا أيه الساحر وأيه الثقلان وسنذكر خلاف القراء في التلفظ بها
النزول:
وروي عن علقمة والحسن: أن كلما في القرآن {يا أيها الذين آمنوا} نزل بالمدينه وما فيه {يا أيها الناس} نزل بمكة
واعلم أن "أيا" اسم مبهم ناقص جعل صلة إلى نداء ما فيه الألف واللام ويلزمه ها التي للتنبيه لابهامه ونقصه واجاز المازني "يا اي الظريف" قباساً على "يازيد الظريف" ولم يجزه غيره لأن "ايا" ناقص والنصب عطفاً على الموضع بالحمل على المعنى ولا يحمل على التأويل إلا بعد التمام وهذا هو الصحيح عندهم
المعنى:
وهذه الآية متوجهة إلى جميع الناس: مؤمنهم، وكافرهم، لحصول العموم فيها. إلا من ليس بشرائط التكليف من المجانين والأطفال وروي عن ابن عباس أنه قال: قوله {اعبدوا ربكم}: أي وحدوه وقال غيره: ينبغي أن يحمل على عمومه في كل ما هو عبادة لله: من معرفته، ومعرفة أنبيائه، والعمل بما أوجبه عليهم وندبهم اليه وهو الأقوى وقوله: {لعلكم تتقون}: أي تتقون عذابه بفعل ما أوجبه عليكم كما قال: {واتقوا النار التي أعدت للكافرين}
الاعراب:
وقوله: {والذين} في موضع نصب لأنه عطف على الكاف والميم في قوله: {خلقكم} وهو مفعول به
{من قبلكم}: اي من تقدم زمانكم من الخلائق والبشر وقال مجاهد: {تتقون}: مطيعون والاول أقوى والخلق: هو الفعل على تقدير وخلق الله السماوات: فعلها على تقدير ما تدعو اليه الحكمة من غير زيارة ولا نقصان ومثله الرزق والخلق: الطبع والخليقة: الطبيعة وخليق به: شبيه به والخلاق: النصيب والاختلاق: افتعال الكذب والخلق: البالي والاخلق: والاملس
ومعنى {لعلكم تتقون} قال الشاعر:

وقلتم لنا كفوا الحروب لعلنا نكف ووثقتم لنا كل موثق
فلما كففنا الحرب كانت عهودكم كلمح سراب في الملا متألق

يعني قلتم لنا: كفوا لنكف، لأنه لو كان شاكا لما كانوا وثقوا كل موثق ويقول القائل: اقبل قولي لعلك ترشد وادخاله "لعل" ترقيق للموعظة وتقريب لها من قلب الموعوظ يقول القائل لأجيره: اعمل لعلك تأخذ الاجرة وليس يربد بذلك الشك وانما يريد لتأخذ اجرتك وقال سيبويه: انما ورد ذلك على شك المخاطبين كما قال تعالى: {فقولا له قولا ليناً لعله يتذكر أو يخشى} واراد بذلك الابهام على موسى وهارون وفائدة ايراد لفظة "لعل" هو ان لا يحل العبد ابداً محل الأمن المدل لكي يزداد حرصاً على العمل وحذراً من تركه واكثر ما جاءت لعل وغيرها من معاني التشكيك فيما يتعلق بالاخرة في دار الدنيا فاذا ذكرت الأخرة مفردة جاء اليقين وهذه الآية يمكن الاستدلال بها على ان الكفار مخاطبون بالعبادات، لدخولهم تحت الاسم. وقال بعضهم: معنى قوله {لعلكم تتقون} لكي تتقوا النار في ظنكم ورجائكم، لأنهم لا يعلمون انهم يوقون النار في الآخرة، لأن ذلك من علم الغيب الذي لا يعلمه إلا الله. قال: لعلكم تتقون ذلك في ظنكم ورجائكم واجرى (لعل) على العباد دون نفسه تعالى الله عن ذلك. وهذا قريب مما حكيناه عن سيبويه. و (لعل) في الآية، يجوز أن تكون متعلقة بالتقوى. ويجوز أن تكون متعلقة بالعبادة في قوله: {اعبدوا}. وهو الاقوى.