التفاسير

< >
عرض

يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ أَنْفِقُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّآ أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ ٱلأَرْضِ وَلاَ تَيَمَّمُواْ ٱلْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلاَّ أَن تُغْمِضُواْ فِيهِ وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ
٢٦٧
-البقرة

التبيان الجامع لعلوم القرآن

المعنى:
هذا خطاب للمؤمنين دون سائر الناس وقال الحسن، وعلقمة: كل شيء في القرآن {يا أيها الذين آمنوا} فانما أنزل بالمدينة وكلما فيه {يا أيها الناس} أنزل بمكة وقوله: {أنفقوا من طيبات ما كسبتم} يدخل فيه الزكاة المفروضة وغيرها من أنواع النفقة. وقال عبيدة السلماني، والحسن: هي مختصة بالزكاة. وقال الجبائي: هي في المتطوع، لأن الفرض من الصدقة له مقدار من القيمة إن قصر كان ديناً عليه إلى أن يؤديه على التمام. فأما إذا كان مال المزكي كله ردياً فجاز له أن يعطي منه ولا يدخل في ما نهي عنه، لأن تقدير ما جعله الله للفقير في مال الغني تقدير حصة الشريك، فليس لأحد الشريكين أن يأخذ الجيد ويعطي صاحبه الردي لما فيه من الوكس فاذا استوى في الرداوة جاز له إعطاء الردي، لأنه حينئذ لم يبخسه حقاً هو له كما يبخسه في الأول وقوله: {ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون} روي عن علي (ع)، والبراء بن عازب، والحسن، وقتادة: أنها نزلت لأن بعضهم كان يأتي بالحشف فيدخله في تمر الصدقة فنزلت فيه الآية. قال ابن زيد: الخبيث الحرام. والأول أقوى، لأنه قال: {أنفقوا من طيبات ما كسبتم وما أخرجنا لكم من الأرض} ثم قال: {ولا تيمموا الخبيث} يعني من الذي كسبتم إذ أخرجه الله من الأرض. والحرام وإن كان خبيثاً فليس من ذلك غير أنه يمكن أن يراد به ذلك لأنه لا ينافي السبب. وروي عن أبي عبد الله (ع) أنها نزلت في أقوام لهم أموال من ربا الجاهلية كانوا يتصدقون منها، فنهى الله عن ذلك وأمر بالصدقة من الحلال. ويقوي الوجه الاول قوله: {ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه} والاغماض لا يكون في شيء ردي متسامح في أخذه دون ما هو حرام. وفي الفقهاء من استدل بهذه الآية على أن الرقبة الكافرة لا تجزي في الكفارة وضعفه قوم وقالوا: العتق ليس بانفاق. والاولى أن يكون ذلك صحيحاً لأن الانفاق يقع على كل ما يخرج لوجه الله عتقاً كان أو غيره. اللغة والتيمم: التعمد تيممت الشيء تيمماً. ومنه قوله:
{ فتيمموا صعيداً طيباً } أي تعمدوا، وقال خفاف:

فعمداً على عين تيممت مالكا

وقال آخر:

يممته الرمح شزراً ًًًثم قلت له هذي المروءة لا لعب الزحاليق

واليم: لجة البحر، لأنه يتعمد به البعيد من الأرض، ويم الرجل: إذا غرق في البحر، ويم الساحل إذا طما عليه يم البحر فغلب عليه. واليمامة، واليمام: الحمام الطورانية تتعمد إلى أوكارها بحسن هدايتها. وقال الخليل: أممته قصدت أمامه ويممته: تعمدته من أي جهة كان. وقال غيره: هما سواء. والخبيث: الرديء من كل شيء، خبث خبثاً وتخبّث تخبثاً وتخابث تخابثاً وخبثه تخبيثاً. والخبثة: الريبة، وخبث الفضة ما نقاه الكير لأنه ينفي الرديء وأصله الرداءة.
الاعراب واللغة:
وقوله: {ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه} إنما فتحت (أن) في قول الفراء من أجل (إلا) إذ وقعت عليها. وهي في موضع خفض في الاصل عنده (إن) لأن الكلام في معنى الجزاء وهو إن أغمضتم بعض الاغماض أخذتموه، ومثله
{ إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله } وأنكر ذلك أبو العباس وقال: (أن) هذه التي بمعنى المصدر مفتوحة على كل حال وذلك نحو أن تأتيني خير لك. وإنما المعنى ولستم بآخذيه إلا لاغماضكم فيه. والاغماض في البيع الحط من الثمن لعيب فيه، أغمض إغماضاً وذلك لاخفاض بعض الثمن بالحط له. والغموض: الخفاء. غمض يغمض غموضاً فهو غامض. والتغميض إطباق الجفن وغمض العين. والغمض المطمئن من الأرض حتى يغيب من فيه وأصل الباب: الخفاء.
المعنى:
وقيل في معنى {إلا أن تغمضوا فيه} قولان قال البراء بن عازب إلا أن تتساهلوا فيه. وقال ابن عباس، والحسن وقتادة إلا أن تحطّوا من الثمن فيه. وقال الزجاج: ولستم بآخذيه إلا بوكس فكيف تعطونه في الصدقة قال الطرماح ابن حكيم:

لم يفتنا بالوتر قوم وللضيم رجال يرضون بالاغماض

أي بالوكس قوله: {واعلموا أن الله غني حميد} هاهنا معناه أنه غني عن صدقاتكم وإنما دعاكم إليها لنفعكم، فأما {حميد} ففيه ثلاثة أقوال:
أحدها - أنه مستحق للحمد على نعمه. الثاني - موجب للحمد على طاعته. والثالث - قال الحسن: معناه مستحمداً إلى خلقه بما يعطون من النعم لعباده أي مبتدع لهم إلى ما يوجب لهم الحمد. وحميد في هذا الموضع أليق من حليم كما أن حليماً أليق بالآية المتقدمة من حميد، لما بيناه وإنما قلنا ذلك لأنه لما أمرهم بالانفاق من طيب ما كسبوه بين أنه غني عن ذلك وأنه يحمدهم على ما يفعلونه إذا فعلوه على ما أمرهم به ومعناه أنه يجازيهم عليه.