التفاسير

< >
عرض

قَالَ لَهُمْ مُّوسَىٰ وَيْلَكُمْ لاَ تَفْتَرُواْ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً فَيُسْحِتَكُم بِعَذَابٍ وَقَدْ خَابَ مَنِ ٱفْتَرَىٰ
٦١
فَتَنَازَعُوۤاْ أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّواْ ٱلنَّجْوَىٰ
٦٢
قَالُوۤاْ إِنْ هَـٰذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَن يُخْرِجَاكُمْ مِّنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ ٱلْمُثْلَىٰ
٦٣
فَأَجْمِعُواْ كَيْدَكُمْ ثُمَّ ٱئْتُواْ صَفّاً وَقَدْ أَفْلَحَ ٱلْيَوْمَ مَنِ ٱسْتَعْلَىٰ
٦٤
قَالُواْ يٰمُوسَىٰ إِمَّآ أَن تُلْقِيَ وَإِمَّآ أَن نَّكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَىٰ
٦٥
قَالَ بَلْ أَلْقُواْ فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَىٰ
٦٦
-طه

التبيان الجامع لعلوم القرآن

قرأ {فيسحتكم} - بضم الياء وكسر الحاء - أهل الكوفة إلا أبا بكر. الباقون بفتح الياء والحاء. وهما لغتان. يقال: سحت وأسحت إذا استأصل. وقرأ ابو عمرو {إن هذين} بتشديد {إن} ونصب {هذين}. وقرأ نافع وحمزة والكسائي وابو بكر عن عاصم - بتشديد {إن} والالف في {هذان}. وقرأ ابن كثير {إن} مخففة {هذان} مشددة النون. وقرأ ابن عامر بتخفيف نون {إن} وتخفيف نون {هذان}. وقرأ ابو عمرو وحده {فأجمعوا} بهمزة الوصل. الباقون بقطع الهمزة من اجمعت الأمر إذا عزمت عليه، قال الشاعر:

يا ليت شعري والمنى لا تنفع هل اغدون يوما وأمري مجمع

وقيل: إن جمعت وأجمعت لغتان فى العزم على الأمر يقال: جمعت الأمر، واجمعت عليه، بمعنى ازمعت عليه وفى الكلام حذف، لان تقديره انهم حضروا واجتمعوا يوم الزينة، فقال لهم حينئذ موسى يعني للسحرة الذين جاؤا بسحرهم {لا تفتروا على الله} اي لا تكذبوا عليه كذبا بتكذيبي، وتقولوا إن ما جئت به السحر. والافتراء اقتطاع الخبر الباطل بادخاله في جملة الحق وأصله القطع من فراه يفريه فرياً. وافترى افتراء، والافتراء والافتعال والاختلاق واحد وقوله {فيسحتكم بعذاب} قال قتادة وابن زيد والسدي معناه فيستأصلكم بعذاب. والسحت استقصاء الشعر في الحلق: سحته سحتاً واسحته اسحاتاً لغتان، قال الفرزدق:

وعض زمان يا ابن مروان لم يدع من المال إلا مسحتاً أو مجلف

وينشد (مسحت) بالرفع على معنى لم يدع أي لم يبق. ومن نصب قال أو مجلف، كذلك روي مسحتاً ومجلف. وسئل الفرزدق على ما رفعت إلا مسحتاً أو مجلف. فقال للسائل على ما يسؤك وينؤك. ويقال: سحت شعره إذا استقصى حلقه. والمعنى إن العذاب إذا أتى من قبل الله أخذهم واهلكهم عن آخرهم.
وقوله {وقد خاب من افترى} أي انقطع رجاء من افترى الكذب. والخيبة الامتناع على الطالب ما أمّل، والخيبة انقطاع الرجاء يقال: رجع بخيبة، وهو إذا رجع بغير قضاء حاجته. واشد ما يكون إذا أمل خيراً من جهة، فانقلب شراً منها.
وقوله {فتنازعوا أمرهم} معناه اختلفوا فيما بينهم. والتنازع محاولة كل واحد من المختلفين نزع المعنى عن صاحبه، تنازعا في الامر تنازعاً، ونازعه منازعة.
وقوله {وأسروا النجوى} أي اخفوها فيما بينهم. قال قتادة: انهم قالوا: إن كان هذا ساحراً فسنغلبه، وإن كان من السماء، فله أمره. وقال: وهب بن منية: لما قال لهم {ويلكم لا تفتروا على الله كذباً فيسحتكم بعذاب وقد خاب من افترى} قالوا: ما هذا بقول ساحر. وقيل: اسرارهم كان أنهم قالوا: ان غلبنا موسى اتبعناه. وقيل أسروا النجوى دون موسى وهارون بقوله {إن هذين لساحران....} الآية. وهو قول السدي. وقوله {إن هذان لساحران} قيل فيه أوجه:
اولها - إنه ضعف عمل {إن} لأنها تعمل وليست فعلا لشبهها بالفعل، وليست باصل في العمل، كما انها لما خففت لم تعمل أصلا.
والثاني - {إن هذان} أشبه {الذين} فى البناء، لأن أصله الذي فزادوا نوناً للجمع، وتركوه على حالة واحدة في النصب والجر والرفع. فكذلك كان أصله {هذا} فيه ألف مجهولة فزادوا نوناً للتثنية وتركوها على حالة واحدة فى الاحوال الثلاثة.
والثالث - إن (ان) بمعنى (إنه) إلا انها حذفت الهاء.
والرابع - انه لما حذفت الألف من {هذا}) صارت ألف التثنية عوضاً منها، فلم تزل على حالها. وهي لغة بني الحارث بن كعب، وخثعم، وزبيد، وجماعة من قبائل اليمن. وقال بعض بني الحارث بن كعب:

واطرق اطراق الشجاع ولو يرى مساغاً لناباه الشجاع لصمما

وقال آخر:

إن اباها وابا اباها قد بلغا فى المجد غايتاها

وقال آخر:

تزود منا بين اذناه ضربة دعته الى هابي التراب عقيم

الخامس - وقال المبرد واسماعيل بن اسحاق القاضي: أحسن ما قيل في ذلك ان (ان) تكون بمعنى نعم ويكون تقديره نعم هذان لساحران، فيكون ابتداء وخبراً قال الشاعر:

ظل العواذل بالضحى يلحينني والومهنه
ويقلن شيب قد علاك وقد كبرت فقلت انه

ووجه قراءة حفص انه جعل (إن) بمعنى (ما) وتقديره: ما هذان ساحران. وروي ان ابن مسعود قرأ {إن هذان ساحران} بغير لام. وقرأ ابي {إن هذان إلا ساحران}. ومن جعل (ان) بمعنى (نعم) جعل حجته فى دخول اللام في الخبر قول الشاعر:

خالي لانت ومن جرير خاله ينل العلا وتكرم الاخوال

وقال آخر:

ام الحليس لعجوز شهربة ترضى من اللحم بعظم الرقبة

هذه الآية حكاية عن قول فرعون أنه قال لهم {إن هذين} يعني موسى وهارون {لساحران يريدان أن يخرجاكم من أرضكم بسحرهما ويذهبا بطريقتكم المثلى} قال مجاهد: معناه يذهبا بطريقة اولى العقل والاشراف والانساب. وقال ابو صالح: ويذهبا بسراة الناس. وقال قتادة: ويذهبا ببني اسرائيل، وكانوا عدداً يسيراً. وقال ابن زيد: معناه ويذهبا بالطريقة التى أنتم عليها في السيرة [وقيل: المعنى يذهبان بأهل طريقتكم المثلى. والامثل الاشبه بالحق الثابت، والصواب الظاهر. وهو الاولى به].
وقال لهم فرعون ايضاً {فاجمعوا كيدكم} فمن قطع الهمزة أراد فاعزموا على أمركم وكيدكم وسحركم. وقيل: جمع وأجمع لغتان في العزم على الشيء يقال: جمعت الأمر وأجمعت عليه.
{ثم ائتوا صفاً} ومعناه مصطفين. وقال الزجاج: هو كقولهم: أتيت الصف أي الجماعة. ولم يجمع (صفاً) لانه مصدر. وقال قوم: إن هذا من قول فرعون للسحرة. وقال آخرون: بل هو من قول بعض السحرة لبعض.
وقوله {وقد أفلح اليوم من استعلى} معناه قد فاز اليوم من علا على صاحبه بالغلبة. و {قالوا يا موسى إما أن تلقي وإما أن نكون أول من القى} حكاية عما قالت السحرة لموسى فانهم خيّروه في الالقاء بين أن يلقوا أولا ما معهم أو يلقي موسى عصاه، ثم يلقون ما معهم، فقال لهم {بل ألقوا} أنتم ما معكم {فإذا حبالهم وعصيّهم} أي القوا ما معهم، فاذا حبالهم وعصيّهم. وحبال جمع حبل، وعصي جمع عصا، ويجع الحبل حبلاً والعصى أعصيا ويثنى عصوان. وانما أمرهم بالالقاء، وهو كفر منهم، لانه ليس بأمر، وانما هو تهديد. ومعناه الخبر، بان من كان إلقاؤه منكم حجة عنده ابتدأ بالالقاء، ذكره الجبائي. وقال قوم: يجوز أن يكون ذلك أمراً على الحقيقة أمرهم بالالقاء على وجه الاعتبار، لا على وجه الكفر. وقيل كان عدّة السحرة سبعين ألفاً - في قول القاسم بن ابي برّة وقال ابن جريج: كانوا تسعمائة.
وقوله {فإذا حبالهم وعصيهم يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى} وانما قال يخيل، لأنها لم تكن تسعى حقيقة، وانما تحركت، لأنه قيل إنه كان جعل داخلها زئبق، فلما حميت بالشمس طلب الزئبق الصعود، فتحركت العصي والحبال، فظن موسى أنها تسعى. وقوله {يخيل إليه} قيل الى فرعون. وقيل الى موسى. وهو الأظهر. لقوله {فأوجس في نفسه خيفة موسى} وانما خاف دخول الشبهة على قومه. وقيل خاف بطبع البشرية.