التفاسير

< >
عرض

وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَعْبُدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ ٱطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ ٱنْقَلَبَ عَلَىٰ وَجْهِهِ خَسِرَ ٱلدُّنْيَا وَٱلأَخِرَةَ ذٰلِكَ هُوَ ٱلْخُسْرَانُ ٱلْمُبِينُ
١١
يَدْعُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لاَ يَضُرُّهُ وَمَا لاَ يَنفَعُهُ ذٰلِكَ هُوَ ٱلضَّلاَلُ ٱلْبَعِيدُ
١٢
يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِن نَّفْعِهِ لَبِئْسَ ٱلْمَوْلَىٰ وَلَبِئْسَ ٱلْعَشِيرُ
١٣
إِنَّ ٱللَّهَ يُدْخِلُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ جَنَاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ إِنَّ ٱللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ
١٤
مَن كَانَ يَظُنُّ أَن لَّن يَنصُرَهُ ٱللَّهُ فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى ٱلسَّمَآءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ
١٥
وَكَذٰلِكَ أَنزَلْنَاهُ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَأَنَّ ٱللَّهَ يَهْدِي مَن يُرِيدُ
١٦
-الحج

التبيان الجامع لعلوم القرآن

قرأ ابن عامر وابو عمرو، ورويس، وورش {ثم ليقطع} ثم { ليقضوا } - بسكون اللام - فيهما، ووافقهم قنبل فى {ثم ليقضوا}. الباقون بسكون اللام.
معنى قوله {ومن الناس من يعبد الله على حرف} أي فى الناس من يوجه عبادته إلى الله على ضعف في العبادة، كضعف القيام على حرف جرف، وذلك من اضطرابه فى استيفاء النظر المؤدي الى المعرفة. فأدنى شبهة تعرض له ينقاد لها، ولا يعمل فى حلها. والحرف والطرف والجانب نظائر. والحرف منتهى الجسم، ومنه الانحراف الانعدال الى الجانب. وقلم محرف قد عدل بقطعته عن الاستواء إلى جانب، وتحريف القول هو العدول به عن جهة الاستواء، فالحرف معتدل الى الجانب عن الوسط. وقال مجاهد: معنى على حرف على شك. وقال الحسن: يعبد الله على حرف يعني المنافق يعبده بلسانه دون قلبه. وقيل على حرف الطريقة لا يدخل فيها على تمكين.
وقوله {فإن أصابه خير اطمأن به وإن أصابته فتنة انقلب على وجه} قال ابن عباس: كان بعضهم إذا قدم المدينة فان صح جسمه ونتجت فرسه مهراً حسناً وولدت امرأته غلاماً رضي به واطمأن اليه، وإن اصابه وجع المدينة، وولدت امرأته جارية، وتأخرت عنه الصدقة، قال ما اصبت منذ كنت على ديني هذا إلا شراً. وكل ذلك من عدم البصيرة. وقيل: انها نزلت في بني أسد كانوا نزلوا حول المدينة. و {الفتنة} - ها هنا - معناه المحنة بضيق المعيشة، وتعذر المراد من أمور الدنيا.
ثم اخبر الله تعالى أن من هذه صفته على خسران ظاهر، لانه يخسر الجنة، وتحصل له النار. ثم اخبر عن من ذكره انه {يدعو من دون الله ما لا يضره وما لا ينفعه} يعني الاصنام والاوثان، لانها جماد لا تضر ولا تنفع، فانه يعبدها دون الله. ثم قال تعالى {ذلك هو الضلال البعيد} يعني عبادة ما لا يضر ولا ينفع من العدول عن الصواب، والانحراف عن الطريقة المستقيمة الى البعيد عن الاستقامة. و "ذلك" فى موضع نصب بـ {يدعو} ومعناه (الذي) كأنه قال: الذي هو الضلال البعيد يدعوه. وقوله {يدعو لمن} مستأنف على ما ذكره الزجاج. وقوله {يدعو لمن ضره أقرب من نفعه} يعني يدعو هذه الاصنام التي ضررها أقرب من نفعها، لان الضرر بعبادتها عذاب النار، والنفع ليس فيها. وإنما جاز دخول اللام في {لمن ضره} لأن {يدعو} معلقة، وإنما هي تكرير للأولى، كأنه قال: يدعو - للتأكيد - للذي ضره أقرب من نفعه يدعو. ثم حذفت {يدعو} الأخيرة اجتزاء بالأولى. ولا يجوز قياساً على ذلك ضربت لزيد، ولو قلت بدلا من ذلك يضرب لمن خيره اكثر من شره يضرب، ثم حذفت الخبر جاز. والعرب تقول عندي لما غيره هو خير منه، كأنه قال للذي غيره خير منه عندي، ثم حذف الخبر من الثاني، والابتداء من الاول، كأنه قال عندي شيء غيره خير منه وعلى هذا يقال: اعطيك لما غيره خير منه، على حذف الخبر. وقيل: في خبر (لمن ضرره) أنه {لبئس المولى}. وقيل: يدعو بمعنى يقول. والخبر محذوف. وتقديره يقول لمن ضره أقرب من نفعه: هو آلهة، قال عنترة:

يدعون عنتر والرماح كأنها أشطان بئر في لبان الأدهم

اي يقولون يا عنتر، وقيل تقدر اللام التأخر، وإن كانت متقدمة. والمعنى يدعو من لضره أقرب من نفعه.
وقوله {لبئس المولى ولبئس العشير} فالمولى هو الولي، وهو الناصر الذي يولي غيره نصرته إلا أنها نصرة سوء، والعشير الصاحب المعاشر أي المخالط - فى قول ابن زيد - وقال الحسن: المولى - ها هنا - الولي. وقيل: ابن العم اي بئس القوم لبني عمهم بما يدعونهم اليه من الضلال. وقيل: اللام لام اليمين، والتقدير يدعو وعزتي لمن ضره أقرب من نفعه.
ثم اخبر تعالى انه {يدخل الذين آمنوا} بالله وأقروا بواحدانيته وصدقوا رسله {وعملوا} الاعمال {الصالحات} التي امرهم بها {جنات} أي بساتين {تجري من تحتها الانهار ان الله يفعل ما يريد} من ذلك لا اعتراض عليه فى ذلك.
ثم قال {من كان يظن أن لن ينصره الله في الدنيا والآخرة فليمدد بسبب إلى السماء ثم ليقطع فلينظر هل يذهبن كيده ما يغيظ} فالهاء في قوله {ينصره الله} قال ابن عباس وقتادة: عائدة الى النبي (صلى الله عليه وسلم)، والمعنى من كان يظن أن الله لا ينصر نبيه ولا يعينه على عدوه، ويظهر دينه فليمت غيظاً. والنصرة المعونة - فى قول قتادة - وقال مجاهد والضحاك: أن الكناية عائدة الى (من) والمعنى إن من ظن أن لا ينصره الله. وقال ابن عباس: النصرة - ها هنا - الرزق. والمعنى من ظن ان الله تعالى لا يرزقه، والعرب تقول: من ينصرني نصره الله أي من يعطيني أعطاه الله. وقال الفقعسي:

وإنك لا تعط امرءاً فوق حظه ولا تملك الشق الذي الغيث ناصره

اي معطيه وجايده، ويقال نصر الله أرض فلان أي جاد عليها بالمطر وقوله {فليمدد بسبب الى السماء ثم ليقطع} قيل في معنى {السماء} قولان:
احدهما - قال ابن عباس: اراد سقف البيت. والسبب الحبل. وقال ابن زيد: الى السماء سماء الدنيا والسبب المراد به الوحي الى النبي (صلى الله عليه وسلم) {ثم ليقطع} الوحي عن النبي (صلى الله عليه وسلم) والمعنى من ظن أنه لا يرزقه الله على وجه السخط لما اعطى {فليمدد} بحبل الى سماء بيته واضعاً له في حلقه، على طريق كيد نفسه ليذهب غيظه به. وهذا مثل ضربه الله لهذا الجاهل. والمعنى مثله مثل من فعل بنفسه هذا، فما كان إلا زائداً فى بلائه. وقيل: هذا مثل رجل وعدته وعداً، ووكدت على نفسك الوعد، وهو يراجعك. لا يثق بقولك له، فتقول له: فاهب فاختنق، يعني اجهد جهدك فلا ينفعك، وهذه الآية نزلت في قوم من المسلمين نفروا من اتباع النبي (صلى الله عليه وسلم) خيفة من المشركين يخشون أن لا يتم له أمره.
وقرأ ابن مسعود {يدعو من ضره أقرب من نفعه} بلا لام. الباقون باثبات اللام، ووجهه أن (من) كلمة لا يبين فيها الاعراب فاستجازوا الاعتراض باللام دون الاسم الذي يبين فيه الاعراب، ولذلك قالت العرب: عندي لما غيره خير منه. وقد يجوز أن يكون {يدعو} الثانية من صلة الضلال البعيد، ويضمر في يدعو الهاء. ثم يستأنف الكلام باللام. ولو قرئ بكسر اللام كان قوياً. قال الفراء: كأن يكون المعنى يدعو الى ما ضره أقرب من نفعه، كما قال تعالى
{ الحمد لله الذي هدانا لهذا } أي الى هذه إلا انه لم يقرأ به احد.
وقوله {وكذلك أنزلناه} اي مثل ما ذكرنا من الادلة الواضحة أنزلناه {آيات} واضحات، لان {الله يهدي من يريد} منه فعل الطاعات ويدله عليها.