التفاسير

< >
عرض

وَٱلْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِّن شَعَائِرِ ٱللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَٱذْكُرُواْ ٱسْمَ ٱللَّهِ عَلَيْهَا صَوَآفَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُواْ مِنْهَا وَأَطْعِمُواْ ٱلْقَانِعَ وَٱلْمُعْتَرَّ كَذٰلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ
٣٦
لَن يَنَالَ ٱللَّهَ لُحُومُهَا وَلاَ دِمَآؤُهَا وَلَـٰكِن يَنَالُهُ ٱلتَّقْوَىٰ مِنكُمْ كَذٰلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُواْ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ ٱلْمُحْسِنِينَ
٣٧
إِنَّ ٱللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ
٣٨
أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُواْ وَإِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ
٣٩
ٱلَّذِينَ أُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِم بِغَيْرِ حَقٍّ إِلاَّ أَن يَقُولُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ وَلَوْلاَ دَفْعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا ٱسمُ ٱللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنصُرَنَّ ٱللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ ٱللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ
٤٠
-الحج

التبيان الجامع لعلوم القرآن

قرأ يعقوب {لن تنال الله لحومها ولكن تناله} بالتاء فيهما. الباقون بالياء فيهما. وقد مضى ذكر نظائره. وقرأ ابن كثير وحمزة والكسائي "أذن" بفتح الالف "يقاتلون" بكسر التاء. وقرأ نافع وحفص "أذن" بضم الألف "يقاتلون" بفتح التاء. وقرأ ابو عمرو، وابو بكر عن عاصم "أذن" بضم الالف "يقاتلون" بكسر التاء. وقرأ ابن عامر "أذن" بفتح الألف "يقاتلون" بفتح التاء. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو {إن الله يدفع، ولولا دفع الله} بغير ألف فى الموضعين الباقون "يدافع"، {ولولا دفاع الله} باثبات الألف في الموضعين. وقرأ أهل الكوفة وإبن كثير وابو جعفر "لهدمت" بتخفيف الدال. الباقون بتشديدها، وهما لغتان. والتشديد للتكثير.
قال الحسن: هدمها تعطيلها، فاذا هدمت مواضع الصلاة فكأنهم هدموا الصلاة. وقيل: إن الصلوات بيوت النصارى، يسمونها صلوتاً، وقال أبو العالية الصلوات بيوت الصابئين وانشد:

اتق الله والصلوت فدعها إن فى الصوم والصلوت فساداً

يريد بيت النصارى ومعنى الصوم - فى البيت - ذرق النعام.
{ودفع الله، ودفاع الله} [لغتان والأغلب أن يكون (فعال) بين اثنين. وقد يكون للواحد مثل عافاه الله وطارقت النعل] وقال ابن عمر: دفاع الله، ويدافع: لحن. ومن فتح الالف فى {أذن} وكسر التاء فى {يقاتلون} فالمعنى أذن الله للذين يقاتلون أن يقاتلوا من ظلمهم، وكذلك المعنى فى قراءة الباقين. ومعنى {بأنهم ظلموا} أي من أجل انهم ظلموا.
يقول الله تعالى {والبدن جعلناها} فنصب البدن بفعل مضمر يدل عليه {جعلناها} ومثله
{ والقمر قدرناه } فيمن نصب القمر والبدن جمع بدنة، وهي الابل المبدنة بالسمن. قال الزجاج: يقولون: بدنت الناقة إذا سمنتها. ويقال لها بدنة من هذه الجهة. وقيل: أصل البدن الضخم، وكل ضخم بدن. وبدن بدناً إذا ضخم، وبدن تبديناً، فهو بدن، ثقل لحمه للاسترخاء كما يثقل الضخم. والبدنة الناقة، وتجمع على بدن وبدن. وتقع على الواحد والجمع قال الراجز:

على حين تملك الأمورا صوم شهور وجبت نذورا
وحلق رأسي وافياً مغضورا وبدناً مدرعاً موفورا

قال عطاء: البدن البقرة والبعير. وقيل: البدنة إذا نحرت علقت يد واحدة، فكانت على ثلاث، وكذلك تنحر، وعند أصحابنا تشد يداها الى إبطيها، وتطلق رجلاها. والبقر تشد يداها ورجلاها ويطلق ذنبها، والغنم تشد يداها ورجل واحدة وتطلق الرجل الأخرى.
وقوله {جعلناها لكم من شعائر الله} معناه جعلناها لكم فيها عبادة لله بما في سوقها الى البيت وتقليدها بما ينبئ أنها هدي. ثم نحرها للاكل منها واطعام القانع والمعتر. وقيل {من شعائرالله} معناه من معالم الله {لكم فيها خير} أي منافع في دينكم ودنياكم، مثل ما فسرناه.
وقوله {فاذكروا اسم الله عليها صواف} أمر من الله أن يذكر اسم الله عليها إذا إقيمت للنحر، صافة. وصواف جمع صافة، وهي المستمرة في وقوفها على منهاج واحد، فالصف استمرار جسم يلي جسماً على منهاج واحد. والتسمية إنما تجب عند نحرها دون حال قيامها.
وقوله {فإذا وجبت جنوبها} معناه وقعت لنحرها، والوجوب الوقوع، ومنه يقال: وجبت الشمس إذا وقعت فى المغيب للغروب، ووجب الحائط إذا وقع، ووجب القلب إذا وقع فيه ما يضطرب به. ووجب الفعل إذا وقع ما يلزم به فعله. ووجبت المطالبة إذا وقع ما يدعو الى قبولها. ووجب البيع إذا وقع. وقال أوس ابن حجر:

ألم تكسف الشمس والبدر وال كواكب للجبل الواجب

أي الواقع، وقرئ "صواف" على ثلاثة أوجه: صواف بمعنى مصطفة، وعليه القراء "وصوافي" بمعنى خالصة لله وهي قراءة الحسن و "صوافن" بمعنى معلقة فى قيامها، بازمتها وهي قراءة ابن مسعود، وهو مشتق من صفن الحصان إذا ثنى احدى يديه حتى قام على ثلاث، ومنه قوله { الصافنات الجياد } قال الشاعر:

الف الصفون فما يزال كأنه مما يقوم على الثلاث كسيرا

والصافن من الخيل الذي يقوم على ثلاث، ويثني سنبك الرابعة.
وقوله {فكلوا منها وأطعموا القانع والمعتر} فقال قوم: الاكل والاطعام واجبان. وقال آخرون: الاكل مندوب والاطعام واجب. وقال قوم: لو اكل جميعه جاز، وعندنا يطعم ثلثه، ويعطى ثلثه القانع والمعتر. ويهدي الثلث الباقى. والقانع الذي يقنع بما أعطي أو بما عنده ولا يسأل، والمعتر الذي يتعرض لك ان تطعمه من اللحم. وقال ابن عباس ومجاهد وقتادة: المعتر الذي يسأل، والقانع الذي لا يسأل، وقال الحسن وسعيد بن جبير: القانع الذي يسأل قال الشماخ:

لمال المرئ يصلحه فيغني مفاقره أعف من الفنوع

أي من السؤال. وقال الحسن: المعتر يتعرض، ولا يسأل. وقال مجاهد: القانع جارك الغني، والمعتر الذي يعتريك من الناس. ويقال: قنع الرجل الى فلان قنوعاً إذا سأل قال لبيد:

وأعطاني المولى على حين فقره إذا قال الصبر حلتي وقنوعي

وقنعت بكسر النون اقنع قناعة وقناعاً إذا اكتفيت.
وقوله {كذلك سخرناها لكم} أي مثل ذلك ذللنا هذه الأنعام لكم تصرفوها على حسب اختياركم، بخلاف السباع الممتنعة بفضل قوتها، لكي تشكروه على نعمه التي أنعم بها عليكم.
ثم قال تعالى {لن ينال الله لحومها...} والمعنى لن يتقبل الله اللحوم، ولا الدماء، ولكن يتقبل التقوى فيها وفي غيرها، بأن يوجب فى مقابلتها الثواب. وقيل: لن يبلغ رضا الله لحومها، ولا دماؤها، ولكن ينالها التقوى منكم.
ثم قال {كذلك سخرها لكم} يعني الأنعام {لتكبروا الله على ما هداكم} أي لتعظموه ثم تشكروه على هدايته إياكم الى معرفته وطريق ثوابه. وقيل: معناه لتسموا الله تعالى على الذباحة. وقيل: لتكبروا الله فى حال الاحلال بما يليق به في حال الاحرام.
ثم قال تعالى {وبشر المحسنين} يا محمد، الذين يفعلون الأفعال الحسنة وينعمون على غيرهم.
ثم قال {إن الله يدافع عن الذين آمنوا} أي نصرهم ويدفع عنهم عدوهم، تارة بالقهر، وأخرى بالحجة {إن الله لا يحب كل خوان كفور} إخبار منه تعالى أنه لا يحب الخوان، وهو الذي يظهر النصيحة، ويضمر الغش للنفاق، أو لاقتطاع المال. وقيل: إن من ذكر اسم غير الله على الذبيحة، فهو الخوان، والكفور هو الجحود لنعم الله وغمط آياديه.
ثم اخبر انه {أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا} قيل: إن هذه الآية نزلت في المهاجرين الذين أخرجهم أهل مكة من أوطانهم، فلما قووا، أمره الله بالجهاد، وبين أنه أذن لهم في قتال من ظلمهم واخرجهم من أوطانهم. ومعنى {بأنهم ظلموا} أي من أجل أنهم ظلموا.
ثم أخبر أنه {على نصرهم لقدير} ومعناه انه سينصرهم. قال الجبائي: لا فائدة له الا هذا المعنى.
وهذه الآية اول آية نزلت في الأمر بالقتال.
ثم بين حالهم فقال {الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق} بل ظلماً محضاً {إلا أن يقولوا ربنا الله} والمعنى الا أن يقولوا الحق، فكأنه قال الذين أخرجوا بغير حق، الا الحق الذي هو قولهم ربنا الله. وقال سيبويه {إلا} بمعنى (لكن) وتقديره لكنهم يقولون: ربنا الله، فهو استثناء منقطع، وهو كقولك ما غضبت عليّ إلا أني منصف، وما تبغض فلاناً إلا أنه يقول الحق، أي جعلت ذلك ذنبه. وقال الفراء: تقديره إلا بأن يقولوا، فتكون (أن) فى موضع الجر.
ثم قال {ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع} فى أيام شريعة موسى {وبيع} في ايام شريعة عيسى {ومساجد} فى ايام شريعة محمد (صلى الله عليه وسلم) - في قول الزجاج - وقال مجاهد: صوامع الرهبان، وبيع النصارى، وهو قول قتادة. وعن مجاهد ايضاً ان البيع كنائس اليهود. وقال الضحاك: الصلوات كنائس اليهود يسمونها صلوتاً. وقيل مواضع صلوات المسلمين مما في منازلهم. وقيل: الصلوات أراد بها المصليات، كما قال
{ لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى } وأراد المساجد، والظاهر انه أراد نفس الصلاة لا يقر بها سكران. وقيل تقديره: وتركت صلوات - ذكره الاخفش - وقوله {يذكر فيها اسم الله كثيراً} يعني في المساجد والمواضع التي ذكرها.
ثم قال {ولينصرن الله من ينصره} أي من نصر أولياء الله، ودفع عنهم فان الله ينصره، ويدفع عنه. ويجوز أن يكون المراد: من ينصر دين الله ويذب عنه فان الله ينصره {إن الله لقوي عزيز} أي قادر قاهر، لا ينال أحد منه ما لا يريده، ولا يتعذر عليه من يريد ضره. وقال الحسن: إن الله يدفع عن هدم مصليات أهل الذمة بالمؤمنين. وقرأ عاصم الجحدري "وصلوت" بالتاء - فى رواية هارون - وقال غيره: صلوت بالتاء والصاد واللام مضمومتان، وقال: هي مساجد للنصارى. وقرأ الضحاك (صلوث) بثلاث نقط، وقال: هي مساجد اليهود. وهذه شواذ لا يقرأ بها، ولا يعرف لها فى اللغة اصل.