التفاسير

< >
عرض

قَدْ أَفْلَحَ ٱلْمُؤْمِنُونَ
١
ٱلَّذِينَ هُمْ فِي صَلاَتِهِمْ خَاشِعُونَ
٢
وَٱلَّذِينَ هُمْ عَنِ ٱللَّغْوِ مُّعْرِضُونَ
٣
وَٱلَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَـاةِ فَاعِلُونَ
٤
وَٱلَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ
٥
إِلاَّ عَلَىٰ أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ
٦
فَمَنِ ٱبْتَغَىٰ وَرَآءَ ذٰلِكَ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْعَادُونَ
٧
-المؤمنون

التبيان الجامع لعلوم القرآن

يقول الله تعالى {قد أفلح المؤمنون} أي فازوا بثواب الله، الذين صدّقوا بالله واقروا بواحدانيته وصدقوا رسله. وقيل: معناه، قد سعدوا، قال لبيد:

فاعقلي ان كنت لما تعقلي ولقد أفلح من كان عقل

وقيل معنى {أفلح} بقي أي بقيت أعمالهم الصالحة، ومنه قولهم (حي على الفلاح) أي على بقاء أعمال الخير، ومعنى {قد} تقريب الماضي من الحال، فدل على أن فلاحهم قد حصل بما هم عليه في الحال، وهذا أبلغ في الصفة من تجريد ذكر الفعل. ثم وصف هؤلاء المؤمنين بأوصاف، فقال {الذين هم في صلاتهم خاشعون} أي خاضعون متذللون لله فيها. وقيل: معناه يسعون، مقبلون على الصلاة بالخضوع والتذلل لربهم. وقيل: معناه خائفون. وقال مجاهد: هو غض الطرف وخفض الجناح. وقيل: أن ينظر المصلي الى موضع سجوده. وكان النبي (صلى الله عليه وسلم) يرفع بصره الى السماء. فلما نزلت هذه الآية طأطأ رأسه، ونظر الى مصلاه. والخشوع في الصلاة هو الخضوع بجمع الهمة لها، والاعراض عما سواها، لتدبر ما يجري فيها: من التكبير، والتسبيح، والتحميد لله، وتلاوة القرآن. وهو موقف الخاضع لربه الطالب لمرضاته بطاعاته.
ثم زاد في صفاتهم فقال {والذين هم عن اللغو معرضون} واللغو هو القول والفعل الذي لا فائدة فيه يعتد بها، وهو قبيح على هذا الوجه. وقال ابن عباس: اللغو - ها هنا - الباطل. وقال السدي: هو الكذب. وقال الكلبي هو الحلف. وحكى النقاش: انهم نهوا عن سباب الكفار إذا سبوهم، وعن محادثتهم.
ثم قال {والذين هم للزكاة فاعلون} أي يؤدون ما يجب عليهم في أموالهم من الصدقات، وسميت زكاة، لأنه يزكو بها المال عاجلا وآجلا. ثم قال {والذين هم لفروجهم حافظون} قيل عنى بالفروج - ها هنا - فرج الرجل خاصة بدلالة قوله {الا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم} ثم استثنى من الحافظين لفروجهم من لا يحفظ فرجه عن زوجته، أو ما تملك يمينه من الاماء على ما أباحه الله له، لأن التزويج ينبغي أن يكون، على وجه اباحة الله تعالى. و (ملك اليمين) في الآية المراد به الاماء لأن الذكور من المماليك لا خلاف في وجوب حفظ الفرج منهم. ومن ملك الأيمان، لا يجمع بين الاختين في الوطئ، ولا بين الأم والبنت. وكل ما لم يجز الجمع بينهم في العقد، فلا يجوز الجمع بينهم في الوطئ بملك اليمين. ولا يخرج من الآية وطؤ المتمتع بها، لأنها زوجة عندنا، وإن خالف حكمها حكم الزوجات في احكام كثيرة، كما أن حكم الزوجات مختلف في نفسه. وذكره تعالى هذه الاوصاف ومدحه عليها يكفي ويغني عن الأمر بها، لما فيها من الترغيب كالترغيب في الأمر، وأنها مرادة، كما أن المامور به مراد، وكلها واجب.
وانما قيل للجارية (ملك يمين) ولم يقل في الدار (ملك يمين) لأن ملك الجارية أخص من ملك الدار إذ له نقض بنية الدار، وليس له نقض بنية الجارية، وله عارية الدار، وليس له عارية الجارية، حتى توطأ بالعارية، فلذلك خص الملك في الأمة، وانما قال {إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين} مع تحريم وطئها على وجوه: كتحريم وطئ الزوجة. والأمة في حال الحيض، ووطئ الجارية إذا كان لها زوج، أو كانت في عدة من زوج. وتحريم وطئ المظاهرة قبل الكفارة، لأن المراد بذلك على ما يصح ويجوز، مما بينه الله، وبينه رسوله في غير هذا الموضع، وحذف لأنه معلوم، وهي من الامور العارضة في هذه الوجوه ايضاً، فان من وطأ الزوجة أو الأمة في الاحوال التي حرم عليه وطؤها، فانه لا يلزمه اللوم من حيث كانت زوجة أو ملك يمين وإنما يستحق اللوم من وجه آخر. واللوم والذم واحد، وضدهما الحمد والمدح.
ثم قال تعالى {فمن ابتغى وراء ذلك} ومعناه من طلب سوى ذلك يعني الزوجية، وملك اليمين، فهو عاد. والابتغاء والبغية الطلب. والبغاء طلب الزنا، والباغي طالب الاعتداء. و {العادون} هم الذين يتعدون الحلال الى الحرام. وقوله "وراء" - ها هنا - قيل: معناه غير. وقال الفراء معناه {إلا على أزواجهم} إلا من أزواجهم {أو ما ملكت أيمانهم} في موضع خفض.