التفاسير

< >
عرض

وَتَفَقَّدَ ٱلطَّيْرَ فَقَالَ مَالِيَ لاَ أَرَى ٱلْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ ٱلْغَآئِبِينَ
٢٠
لأُعَذِّبَنَّهُ عَذَاباً شَدِيداً أَوْ لأَاْذبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ
٢١
فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ
٢٢
إِنِّي وَجَدتُّ ٱمْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ
٢٣
وَجَدتُّهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ ٱلسَّبِيلِ فَهُمْ لاَ يَهْتَدُونَ
٢٤
أَلاَّ يَسْجُدُواْ للَّهِ ٱلَّذِي يُخْرِجُ ٱلْخَبْءَ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ
٢٥
ٱللَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ ٱلْعَرْشِ ٱلْعَظِيمِ
٢٦
-النمل

التبيان الجامع لعلوم القرآن

قرأ ابن كثير {أو ليأتينني بسلطان مبين} بنونين الأولى مشددة مفتوحة والثانية مكسورة. الباقون بنون واحدة مشددة مكسورة. وقرأ {مكث} عاصم وروح - بفتح الكاف - الباقون بضمها، وهما لغتان. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو {من سبأ بنبأ} غير مصروف. الباقون مصروفاً، منوناً.
من لم يصرفه فلأنه معرفة ومؤنث، لانه قيل: ان {سبأ} حي من احياء اليمن. وقيل: هو اسم أمهم. وقد قال الزجاج: {سبأ} مدينة تعرف بمأرب من اليمن، وبينها وبين صنعاء مسيرة ثلاثة أيام، فاذا صرفته فعلى البلد، وإذا لم تصرفه، فعلى المدينة. وقيل: من صرفه جعله إسماً للمكان، ومن لم يصرفه جعله اسماً للبقعة. قال جرير:

الواردون وتيم في ذوي سبأ قد عض أعناقهم جلد الجواميس

وقال آخر في ترك صرفه:

من سبأ الحاضرين مأرب اذ يبنون من دون سيله العرما

وقرأ الكسائي وابو جعفر ورويس {ألا يا اسجدوا} بتخفيف (ألا). الباقون {ألا يسجدوا} مشددة. وجه قراءة الكسائي أنه جعل (ألا) للتنبيه (يا) هؤلاء على حذف المنادي "اسجدوا" على الامر، قال الأخطل:

ألا يا اسلمي يا هند هند بني بدر وإن كان حيانا عدى آخر الدهر

أي ألا يا هند. وقرأ ابن مسعود {هلا} وذلك يقوى قراءة من قرأ بالتخفيف. ومن قرأ بالتشديد فمعناه وزين لهم الشيطان ضلالتهم لئلا يسجدوا لله، وشاهد الأول قول الشاعر:

ألا اسلمي يا دارمي على البلى ولا زال منهلا بجرعائك القطر

وقال العجاج:

يا دار سلمي يا اسلمي ثم اسلمى عن سمسم أو عن يمين سمسم

اخبر الله سبحانه عن سليمان أنه {تفقد الطير، فقال ما لي لا أرى الهدهد} قيل كان سبب تفقده الهدهد أنه احتاج اليه في سيره ليدله على الماء، لأنه يقال: انه يرى الماء في بطن الأرض. كما نراه في القارورة - وذكره ابن عباس - وقال وهب بن منية: كان تفقده إياه لاخلاله بنوبته. وقيل: كان سبب تفقده أن الطير كانت تظله من الشمس، فلما أخل الهدهد بمكانه بان بطلوع الشمس عليه.
وقوله {أم كان من الغائبين} معنى {أم} بل. وقيل: معناه أتأخر عصياناً {أم كان من الغائبين} لعذر وحاجة. ثم قال {لأعذبنه عذاباً شديداً أو لأذبحنه أو ليأتيني بسلطان مبين} وهذا وعيد منه للهدهد أنه متى لم يأت سليمان بحجة ظاهرة في تأخره يفعل به أحد ما قاله، عقوبة له على عصيانه. قال ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك: تعذيب الهدهد نتف ريشه وطرحه في الشمس.
قوله {فمكث غير بعيد} أي لبث غير بعيد، وفى ماضيه لغتان - فتح الكاف وضمها - ثم جاء سليمان، فقال معتذراً عن تأخره، واخلاله بموضعه {أحطت بما لم تحط به} أي علمت ما لم تعلم، وعلم الاحاطة هو أن يعلمه من جميع جهاته التي يمكن أن يعلم عليها تشبيهاً بالسور المحيط بما فيه. ثم قال له {وجئتك من سبأ} يا سليمان يا نبي الله {بنبأ} و (سبأ) مدينة أو قبيلة على ما بيناه.
وروي عن النبي (صلى الله عليه وسلم) ان (سبأ) رجل واحد له عشرة من العرب فتيامن ستة وتشاءم أربعة، فالذين تشاءموا: لخم، وجذام، وغسان، وعاملة. والذين تيامنوا: كندة، والاشعرون، والازد، ومذحج، وحمير، وانمار، ومن الانمار خثعم وبجيلة.
وقوله {بنبأ يقين} أي بخبر لا شك فيه، وانه يحتاج إلى معرفته، لما فيه من الاصلاح لقوم قد تلاعب بهم الشيطان في ذلك، فعذره عند ذلك سليمان [وقيل: عذر الهدهد بما أخبره بما يحبه لما فيه من الأجر وإصلاح الملك الذي وهبه الله] ثم شرح الخبر فقال {إني وجدت امرأة تملكهم} وتتصرف فيهم بحيث لا يعترض عليها أحد ومع ذلك {أوتيت من كل شيء} أي أعطيت كل شيء، لفظه لفظ العموم والمراد به المبالغة في كثرة ما أوتيت من نعم الدنيا وسعة الملك. وقيل: انها أوتيت كل شيء يؤتى الملوك، والعرش العظيم سرير كريم معمول من ذهب وقوائمه من لؤلؤ وجوهر - في قول ابن عباس - ثم اخبر انه وجدها {وقومها يسجدون للشمس من دون الله} وأن الشيطان زين ذلك لهم فهم لا يهتدون إلى سبيل الحق والتوحيد واخلاص العبادة لله تعالى.
ثم قال الهدهد على وجه التوبيخ والتهجين لفعلهم {ألا يسجدوا لله الذي يخرج الخبأ في السماوات والأرض ويعلم ما تخفون وما تعلنون} والخبء هو المخبوء، وهو ما أحاط به غيره حتى منع من إدراكه. وضع المصدر موضع الصفة خبأته اخبائه خبأ. وما يوجده الله ويخرجه من العدم إلى الوجود فهو بهذه المنزلة فخبء السماء الامطار والرياح، وخبء الارض الاشجار والنبات {ويعلم ما تخفون وما تعلنون} فمن قرأ بالتاء جعله للمخاطبين. ومن قرأ بالياء فللغائبين. والخبء والخفاء نظائر، وقيل الخبء الغيب، وهو كل ما غاب عن الادراك.
وقوله {فهم لا يهتدون} دليل على أن المعارف ليست ضرورة، لانه اراد لا يهتدون إلى دين الله. وقال الجبائي: لم يكن الهدهد عارفاً بالله وإنما أخبر بذلك، كما يخبر مراهقوا صبياننا، لأنه لا تكليف عليهم ولا تكيف إلا على الملائكة والجن والانس، وهذا الذي ذكره خلاف الظاهر، لأن الاحتجاج الذي حكاه الله عن الهدهد احتجاج عارف بالله وبما يجوز عليه وما لا يجوز، لانه قال {وجدتها وقومها يسجدون للشمس من دون الله} ولا يجوز أن يفرق بين الحق في السجود لله وبين الباطل الذي هو السجود للشمس، وان احدهما حسن والآخر قبيح إلا من كان عارفاً بالله وبما يجوز عليه وما لا يجوز، وذلك ينافي حال الصبيان، ثم نسب تزيين عملهم إلى الشيطان، وهذا قول من عرفه وعرف ما يجوز عليه في عدله، وأن القبيح لا يجوز عليه، ثم حكى أنه قال إن الشيطان صدهم عن السبيل: الحق باغوائهم، وانهم مع هذا الصد لا يهتدون إلى الحق من توحيد الله وعدله.
وقال ابو عبد الله البصري في بعض المواضع: إن الهدهد كان رجلا من البشر اسمه هدهد، ولم يكن من الطير وهذا غلط لأن الله تعالى قال {وتفقد} يعني سليمان تفقد {الطير فقال ما لي لا أرى الهدهد} فكيف يحمل ذلك على انه إسم رجل؟! إن هذا من بعيد الأقوال. وقال الفراء: من قرأ "ألا" بالتخفيف، فهو موضع سجدوا، ومن ثقل، فلا ينبغي أن يكون موضع سجدوا وقد يجوز السجود على مخالفة تزيين الشيطان. ومعنى {ويعلم ما يخفون وما يعلنون} أي ما يسرون في نفوسهم، وما يظهرونه. وقرأ الكسائي وحفص {ما تخفون وما تعلنون} بالتاء فيهما على الخطاب. الباقون بالياء على الخبر.
ثم اخبر فقال {الله لا إله إلا هو رب العرش العظيم} إلى ها هنا تمام حكاية ما قاله الهدهد. و (العرش) سرير الملك الذي عظمه الله ورفعه فوق السموات السبع وجعل الملائكة تحف به وترفع أعمال العباد اليه، وتنشأ البركات من جهته فهو عظيم الشأن، كما وصفه تعالى.