التفاسير

< >
عرض

الۤـمۤ
١
غُلِبَتِ ٱلرُّومُ
٢
فِيۤ أَدْنَى ٱلأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ
٣
فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ ٱلأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ ٱلْمُؤْمِنُونَ
٤
بِنَصْرِ ٱللَّهِ يَنصُرُ مَن يَشَآءُ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ
٥
-الروم

التبيان الجامع لعلوم القرآن

خمس آيات كوفي وبصري وشامي، وأربع في ما عداه، عد الكوفيون {الم} وعدوا {غلبت الروم} وعد البصري والشامي {غلبت الروم} وعدوا {في بضع سنين} وعد المدني {غلبت الروم} وعد اسماعيل والمكى {غلبت الروم، في بضع سنين}.
قرأ ابن عمر، وابو سعيد الخدري {غلبت الروم} بفتح الغين، فقيل لابن عمر: على أي شيء غلبوا قال على ريف الشام، وهذا غلط، فان عند جميع المفسرين القزاءة بالضم. والسبب في ذلك معروف، وهو ان الروم لما غلبهم فارس فرح مشركوا قريش بذلك من حيث ان اهل فارس لم يكونوا اهل كتاب، وساء ذلك المسلمين، فأخبر الله تعالى ان الروم وإن غلبهم فارس، فان الروم ستغلب في ما بعد فارس {في بضع سنين} أي في ما بين ثلاث سنين إلى عشر، فكان كما اخبر، وكان ذلك معجزة ظاهرة باهرة للنبي صلى الله عليه وآله وروي أن جماعة من الصحابة راهنوا أبي بن خلف وقيل: أبا سفيان. إن لم يصح الخبر ووافقوهم على اربع سنين، فلما اخبروا النبي صلى الله عليه وآله قال:
"زيدوهم في الخطر واستزيدوا في الأجل" ففعلوا، فغلبت الروم لفارس قبل المدة.
اخبر الله تعالى ان الروم غلبت عليها فارس في أدني الأرض من أرض الشام إلى ارض فارس، وانهم من بعد غلبتهم فارس سيغلبون في ما بعد في بضع سنين. وروي عن النبي صلى الله عليه وآله ان البضع - ها هنا - ما بين الثلاث إلى العشر. وروي ان سبب ذلك ان الروم لما غلبتها فارس فرح المشركون بذلك وقالوا: أهل فارس لا كتاب لهم غلبوا اهل الروم، وهم اهل كتاب، فنحن لا كتاب لنا نغلب محمداً الذي معه كتاب، فانزل الله تعالى هذه الآيات تسلية للنبي والمؤمنين. وإن الروم وإن غلبها فارس، فانها ستغلب فارس في ما بعد في بضع سنين. قال ابو سعيد الخدري: كان النصر يوم بدر للفريقين للنبي صلى الله عليه وآله والروم على فارس، ففرح المؤمنون بالنصرين. وقيل: كان يوم الحديبية. وقال الفراء: قوله {من بعد غلبهم} تقديره غلبتهم، فحذف الهاء للاضافة. كما قال
{ وإقام الصلاة } }. قال الزجاج: الغلب والغلبة مصدران، مثل الحلب والحلبة، والغلبة الاستيلاء على القرن بالقهر، غلب يغلب فهو غالب وذلك مغلوب، وتغلب تغلباً إذا تعرض للغلبة، غالبه معالبة. و (الأدنى) الاقرب، ونقيض الأدنى الاقصى، ونقيض الأقرب الابعد، والمراد أدنى الارض إلى جهة عدوهم. والبضع القطعة من العدد ما بين الثلاث إلى العشر، اشتقاقه من بضعته إذا قطعته تبضيعاً، ومنه البضاعة القطعة من المال في التجارة، ومنه البضعة القطعة من البدن، والمبضع، لانه يقطع به العرق. والمباضعة الجماع. وقال المبرد البضع ما بين العقدين في جميع الاعداد.
ثم اخبر تعالى بأن {لله الأمر من قبل ومن بعد} تقديره من بعد غلبهم ومن قبل غلبهم، فقطع عن الاضافة وبني لأنه على الغاية وتفسيرها انه ظرف قطع عن الاضافة التي هي غاية، فصار كبعض الاسم، فاستحق البناء وبني على الحركة، لان له اصلا في التمكن يستعمل. وبني على الضمة لانها حركة لا تكون له في حال الاعراب. فهي ادل على البناء.
ثم قال {ويومئذ يفرح المؤمنون} أي يوم يغلب الروم لفارس يسر المؤمنون تفاؤلا بأن يغلبوا هم المشركين. ثم بين بماذا يفرحون، فقال {بنصر الله ينصر من يشاء من عباده وهو العزيز} في انتقامه من اعدائه {الرحيم} إلى من أناب اليه من خلقه.