التفاسير

< >
عرض

وَإِذَا مَسَّ ٱلإِنسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيباً إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِّنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُوۤ إِلَيْهِ مِن قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَندَاداً لِّيُضِلَّ عَن سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلاً إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ ٱلنَّارِ
٨
أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَآءَ ٱلَّيلِ سَاجِداً وَقَآئِماً يَحْذَرُ ٱلآخِرَةَ وَيَرْجُواْ رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي ٱلَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَٱلَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُواْ ٱلأَلْبَابِ
٩
قُلْ يٰعِبَادِ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ فِي هَـٰذِهِ ٱلدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ ٱللَّهِ وَاسِعَةٌ إِنَّمَا يُوَفَّى ٱلصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ
١٠
-الزمر

التبيان الجامع لعلوم القرآن

قرأ ابن كثير ونافع وحمزة {أمن هو قانت} بتخفيف الميم. الباقون بتشديدها، من خفف أراد النداء وتقديره يا من هو قانت. قال ابن خالويه: سمعت ابن الانباري يقول: ينادي العرب بسبعة الفاظ: زيد اقبل، وازيد اقبل ويا زيد اقبل، وها زيد أقبل، وأيا زيد اقبل، وأي زيد اقبل، وهيا زيد اقبل. وانشد:

هيا ظبية الوعشاء بين جلايد وبين النقاء أنت أم أم سالم

ويجري ذلك مجرى قول القائل: فلان لا يصوم ولا يصلي، فيا من يصوم ويصلي ابشر. وقال ابو علي: النداء - هنا - لا وجه له. والمعنى أمن هو قانت كمن هو بخلاف ذلك؟! لأنه موضع معادلة، وإنما يقع في مثل هذا الموضع الجمل التي تكون اخبار وليس كذلك النداء. ويدل على الحذف قوله {قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون} لان التسوية لا تكون إلا بين شيئين وفى جملتين من الخبر. والمعنى أمن هو قانت كمن جعل لله أنداداً ليضل عن سبيله، وقال أبو الحسن: القراءة بالتخفيف ضعيفة، لأن الاستفهام إنما يبني على ما بعده، ولا يحمل على ما قبله، وهذا الكلام ليس قبله ما يبنى عليه إلا في المعنى ومن شدّد احتمل أمرين:
احدهما - ان يريد أهذا خير أم من هو قانت.
والثاني - ان يكون جعل (أم) بمنزلة (بل) والف الاستفهام، وعلى هذا يكون الخبر محذوفاً لدلالة الكلام عليه، كما قال الشاعر:

فأقسم لو شيء أتانا رسوله سواك ولكن لم نجد لك مدفعاً

والمعنى لو أتانا غيرك ما صدقناه، ولا أهتدينا فحذف. وقال تعالى {أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت} و {أفمن يتقى بوجهه سوء العذاب} كل ذلك محذوف الجواب. والقانت الداعي، والقانت الساكت، والقانت المصلي قائماً وانشد:

قانتاً لله يتلو كتبه وعلى عمد من الناس اعتزل

وقيل القانت الدائم على الطاعة لله ـ في قول ابن عباس والسدي -.
يقول الله عز وجل مخبراً عن حال الانسان وضعف يقينه وشدة تحوله من حال إلى حال إنه إذا مسه ضر من شدة فقر ومرض وقحط {دعا} عند ذلك {ربه منيباً إليه} أي راجعاً اليه راغباً فيه {ثم إذا خوله نعمة منه} فانه إذا أعطاه نعمة عظيمة، فالتخويل العطية العظمية على جهة الهبة، وهي المنحة قال ابو النجم:

اعطى فلم ينجل ولم يبخل كوم الذرى من خول المخول

{نسي ما كان يدعوا إليه من قبل} يعني ترك دعاء الله، كما كان يدعو في حال ضره، قال الفراء: ويجوز أن تكون (ما) بمعنى (من) كما قال { فانكحوا ما طاب لكم من النساء } }. {وجعل لله أنداداً} أي وسمى له تعالى أمثالا في توجيه عبادته اليها من الأصنام والاوثان {ليضل عن سبيله} فمن ضم الياء أراد ليضل بذلك غيره عن سبيل الحق. ومن فتح الياء اراد ليضل هو عن ذلك، واللام لام العاقبة، لأنهم لم يفعلوا ما فعلوه وغرضهم أن يضلوا عن سبيل الله، لكن عاقبتهم كان اليه. فقال الله تعالى لنبيه {قل} له يا محمد على سبيل التهديد {تمتع بكفرك قليلا} يعني مدة حياتك {إنك من أصحاب النار} في العاقبة، وهم الذين يلزمون عذاب جهنم. ثم قال {أمن هو قانت آناء الليل ساجداً وقائماً} فآناء الليل ساعات الليل واحدها آن، وإنيّ بالياء {ساجداً وقائماً} أي في هاتين الحالتين {يحذر الآخرة} أي يخاف عذاب الآخرة {ويرجوا رحمة ربه} كمن خالف ذلك، فانهما لا يتساويان ابداً، ثم قال {قل} لهم على وجه الانكار عليهم {هل يستوي الذين يعلمون} الحق ويعملون به {والذين لا يعلمون} ولا يعملون به، فانهما لا يتساويان أبداً {إنما يتذكر} في ذلك {أولوا الألباب} أي ذوو العقول وروى جابر عن أبي جعفر عليه السلام في تفسير هذه الآية انه قال: نحن الذين يعلمون وعدونا الذين لا يعلمون.
ثم قال لنبيه صلى الله عليه وآله {قل} لهم يا محمد {يا عبادي الذين آمنوا} بالله وصدقوا بوحدانيته وأقروا برسله {اتقوا ربكم} أي عقاب ربكم باجتناب معاصيه. ثم قال {للذين أحسنوا} يعني فعلوا الأفعال الحسنة وأحسنوا إلى غيرهم جزاء لهم على ذلك {في هذه الدنيا حسنة} يعني ثناء حسن وذكر جميل ومدح وشكر، وقيل: صحة وسلامة وعافية، ذكره السدي {وأرض الله واسعة} فتهاجروا فيها عن دار الشرك - في قول مجاهد - وقيل: أرض الله يعني أرض الجنة واسعة {إنما يوفى الصابرون أجرهم} وثوابهم على طاعتهم وصبرهم على شدائد الدنيا {بغير حساب} أي لكثرته لا يمكن عده وحسابه. وقيل: إن معناه إنهم يعطون من المنافع زيادة على ما يستحقونه على وجه التفضل، فكان ذلك بغير حساب أي بغير مجازاة بل تفضل من الله تعالى.