التفاسير

< >
عرض

إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ آمَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ ٱزْدَادُواْ كُفْراً لَّمْ يَكُنِ ٱللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلاً
١٣٧
-النساء

التبيان الجامع لعلوم القرآن

[المعنى]:
قيل في المعني بهذه الآية ثلاثة اقوال:
[الأول] قال قتادة عنى بذلك الذين امنوا بموسى، ثم كفروا بان عبدوا العجل، ثم آمنوا يعني النصاري بعيسى، ثم كفروا به، ثم ازدادوا كفراً بنبوة محمد (صلى الله عليه وسلم) وقال الزجاج والفراء: آمنوا بموسى، وكفروا بعزير، ثم امنوا بعزير، ثم كفروا بعيسى، ثم ازدادوا كفراً بمحمد (صلى الله عليه وسلم).
والثاني - قال مجاهد وابن زيد يعني بذلك أهل النفاق أنهم آمنوا، ثم ارتدوا ثم آمنوا، ثم ارتدوا، ثم ازدادوا كفراً بموتهم على كفرهم.
والثالث - قال ابو العالية: هم اليهود والنصارى أذنبوا ذنباً في شركهم، ثم تابوا فلم تقبل توبتهم، ولو تابوا من الشرك لقبل منهم واقوى الاقوال عندنا قول مجاهد، لان المؤمن على الحقيقة عندنا لا يجوز أن يكفر، لان الايمان يستحق عليه الثواب الدائم والكفر يستحق عليه العقاب الدائم بلا خلاف فيهما والاحتياط عندنا باطل، فلو اجزنا الارتداد بعد الايمان الحقيقي لادى إلى اجتماع استحقاق الثواب الدائم والعقاب الدائم والاجماع بخلافه واختار الطبري الوجه الاول وقال الجبائي والبلخي يجوز ان تكون الآية نزلت في قوم كانوا آمنوا ثم ارتدوا، ثم آمنوا ثم كفروا، ثم أزدادوا كفراً وقوله:
{لم يكن الله ليغفر} معناه لم يكن الله ليغفر لهم الايمان الثاني الكفر المتقدم، لانه لما ارتد فيما بعد، دلّ على ان ما تقدم، لم يكن ايماناً فلا يستحق به غفران عقاب الكفر المتقدم وهو الذي اختاره الزجاج وقال البلخي والزجاج: لم يكن الله ليغفر لهم إذا لم يتوبوا منه وهذا الذي ذكروه لا يصح، لان الكفر على كل حال ولو مرة واحدة، لا يغفر الله الا بالتوبه، فلا معنى لنفي الغفران عن كفر بعد إيمان تقدمه كفر تقدمه ايمان.
وقوله: {ولا ليهديهم سبيلاً} معناه لا يهديهم سبيل الجنة والثواب فيها، لانهم غير مستحقين له ويحتمل ان يكون المراد بذلك أنه لا يلطف لهم فيما بعد بل يخذلهم عقوبة لهم على كفرهم المتقدم. ولا يجوز ان يكون المراد به أنه لا ينصب لهم الدلالة، لأن نصب الأدلة قد تقدم في الكليف الاول والمرتد عندنا على ضربين: احدهما - لا يستتاب ويقتل على كل حال وهو من ولد على فطرة الاسلام بين مسلمين متى كفر فانه يقتل على كل حال. والآخر وهو من كان كافراً فاسلم، ثم ارتد فانه يستتاب ثلاثاً فان تاب والا قتل، ولا يستتاب اكثر من ذلك. وبه قال علي عليه السلام وابن عمر. وقال قوم: يستتاب ابداً. ذهب اليه ابراهيم وغيره. واختاره الطبري. والمرأة تستتاب على كل حال فان تابت، والا خلدت في السجن ولا تقتل بحال وفي ذلك خلاف بين الفقهاء ذكرناه في الخلاف.