التفاسير

< >
عرض

وَإِذاً لأَتَيْنَٰهُم مِّن لَّدُنَّـآ أَجْراً عَظِيماً
٦٧
وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطاً مُّسْتَقِيماً
٦٨
-النساء

التبيان الجامع لعلوم القرآن

قيل: ان "إذاً" دخلت ها هنا لتدل على معنى الجزاء، كأنه قال ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لآتيناهم من لدنا أجراً عظيماً جزاء على فعلهم [ومعنى] "إذاً" جواب وجزاء وهي تقع متقدمة ومتأخرة ومتوسطة وإنما تعمل متقدمة خاصة إلا أن يكون الفعل بعدها للحال نحو إذاً أظنك خارجاً. وتلغى اذاً عن العمل من بين أخواتها لأنها تشبه أظن في الاستدراك بها تقول: زيد في الدار أظن فتستدرك بها بعد ما مضى صدر الكلام على اليقين. وكذلك يقول القائل: أنا أجيئك فتقول: وأنا أكرمك اذن. أردت أن تقول: وأنا أكرمك ثم استدركته باذن. ولدن مبنية ولم تبن عند، لأنها أشد إبهاما إذا كانت تقع في الجواب نحو أين زيد، فتقول: عند عمرو، فلا يقع لدن هذا الموقع، فجرت لشدة الابهام مجرى الحروف. ومعنى {لدنا} ها هنا من عندنا. وإنما ذكر {من لدنا} تأكيداً للاختصاص، بأنه ما لا يقدر عليه إلا الله، لأنه قد يؤتي بما يجريه على يد غيره. وقد يؤتي بما يختص بفعله. وذلك أشرف له وأعظم في النعمة ولأنه متحف بما لا يقدر عليه غيره. وقوله: {ولهديناهم} معناه ولفعلنا من اللطف بهم ما يثبتون معه على الطاعة، ولزوم الاستقامة وإنما لم يفعل بهم هذا اللطف مع الحال التي هم عليها، لأنه يخرجهم من معنى اللطف حتى يصيروا بمنزلة من لا لطف له على وجه. ومثله {اهدنا الصراط المستقيم} أي ثبتنا بلطفك على الصراط المستقيم. وقال أبو علي: معناه الأخذ بهم على طريق الجنة في الآخرة. قال: ولا يجوز أن يكون المراد بالهداية ها هنا الارشاد إلى الدين لأنه تعالى وعد بهذا من يكون مؤمناً مطيعاً. ولا يكون كذلك إلا وقد اهتدى، فان قيل: لم جاز أن يمنعوا اللطف لسوء فعلهم. ولم يجز أن يمنعوا لسوء فعل غيرهم إذ قد صاروا بمنزلة من لا لطف لهم؟ قلنا: لأنهم يؤتون في معاصيهم من قبل أنفسهم ولا يجوز أن يؤتوا فيها من قبل غيرهم ولو جاز ذلك لجاز أن يقتطعوا عن التوبة بالقتل فيكونوا قد أوتوا في معاصيهم من قبل المتقطع لهم وتكون التخلية فيه بمنزلة الاماتة. والواجب في هذا ان يمنع غير هذا المكلف من سوء الفعل الذي فيه ارتفاع اللطف. فان كان لطف هذا المكلف متعلقاً بفعل غيره، وقد علم انه لا يفعله، لم يحسن تكليف هذا المكلف لأنه ان منع هذا من الايمان، فسد، وان ترك وسوء الفعل فسد. واللام في قوله: {ولهديناهم صراطاً مستقيماً} لام الجواب التي تقع في جواب (لو) كما تقع في جواب القسم. كما قال امرؤ القيس:

حلفت لها بالله حلفة فاجر لناموا فما ان من حديث ولا صال

والفرق بين لام الجواب ولام الابتداء ان لام الابتداء لا تدخل إلا على الاسم المبتدأ إلا في باب (ان) خاصة فانها تدخل على الفعل لمضارعته الاسم. يبين ذلك قولك: قد علمت ان زيداً ليقوم. وقد علمت ان زيداً ليقومن فتكسر (ان) الأولى وتفتح الثانية.
وقوله: {صراطاً} نصب على أنه مفعول ثان، لأنه في معنى مفعول كسوته ثوباً، أي فاكتسى ثوباً. فكذلك ولهديناهم فاهتدوا صراطاً.