التفاسير

< >
عرض

أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوۤاْ أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَٰوةَ وَآتُواْ ٱلزَّكَٰوةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ ٱلْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَخْشَوْنَ ٱلنَّاسَ كَخَشْيَةِ ٱللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُواْ رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا ٱلْقِتَالَ لَوْلاۤ أَخَّرْتَنَا إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ ٱلدُّنْيَا قَلِيلٌ وَٱلآخِرَةُ خَيْرٌ لِّمَنِ ٱتَّقَىٰ وَلاَ تُظْلَمُونَ فَتِيلاً
٧٧
-النساء

التبيان الجامع لعلوم القرآن

القراءة، والحجة:
قرأ ابن كثير، وحمزة، والكسائي، وخلف، والحلواني عن هشام ولا يظلمون بالياء. الباقون بالتاء. فمن قرأ بالياء حمل الكلام على لفظ الغيبة ومن قرأ بالتاء فعلى المواجهة.
النزول:
وقيل في سبب نزول هذه الآية قولان:
أحدهما - قال ابن عباس، والحسن، وعكرمة، وقتادة، والسدي: انها نزلت في ناس من الصحابة استأذنوا النبي (صلى الله عليه وسلم) قال ابن عباس: منهم عبد الرحمن ابن عوف. وهم بمكة في قتال المشركين. فلم يأذن لهم: فلما كتب عليهم القتال. وهم بالمدينة قال فريق منهم ما حكاه الله في الآية. فان قيل: كيف. وز ذلك، والله تعالى يقول: {كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة} فامرهم باقامة الصلاة وايتاء الزكاة، ولم تكن الزكاة فرضت بمكة؟ قيل: قد قال البلخي في ذلك: إنه يجوز أن يكون قوم من المنافقين عرضوا على رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ذلك والاقوى عندي أن يكون الله قال ذلك على وجه الندب، والاستحباب دون الزكاة المقدرة على وجه مخصوص.
الثاني - قال مجاهد: نزلت في اليهود. نهى الله هذه الأمة أن يصنعوا مثل صنيعهم.
المعنى:
قوله: {ألم تر} معناه ألم ينته علمك إلى هؤلاء تعجيباً من ذلك. ولو قال: ألم تر هؤلاء أو ألم تعلم هؤلاء لم يظهر فيه معنى التعجب منهم كما يظهر بـ (إلى)، لأنها تؤذن بحال بعيدة قد لا ينتهي إليها، لبعدها، لما فيها من العجب الذي يقع بها. وقوله: {الذين قيل لهم كفّوا أيديكم} يعني حين طلبوا القتال وقيل لهم: اقتصروا على اقامة الصلاة وإيتاء الزكاة {فلما كتب عليهم القتال} يعني الجهاد {إذا فريق منهم} يعني جماعة {يخشون الناس كخشية الله} قال الحسن: هو من صفة المؤمنين لما طبعوا عليه من البشرية والخوف، لا على وجه كراهة المخالفة. وقال أبو علي: هو من صفة المنافقين، لأنهم كانوا كذلك حرصاً منهم على الدنيا والبقاء فيها والاستكثار منها وقال يخشون القتل من قبل المشركين كما يخشون الموت من قبل الله. وقوله: {أو أشد خشية} ليس معنى (أو) ها هنا الشك، لأن ذلك لا يجوز عليه تعالى. وقيل في معناها قولان:
أحدهما - أنها دخلت للابهام على المخاطب. والمعنى أنهم على احدى الصفتين. وهذا أصل (أو) وهو معنى واحد على الابهام.
الثاني - على طريق الاباحة نحو قولك: جالس الحسن أو ابن سيرين. ومعناه إن قلت يخشون الناس كخشية الله فأنت مصيب، وان قلت يخشونهم أشد من ذلك فأنت مصيب لأنه قد حصل لهم مثل تلك الخشية وزيادة. وقولهم: {لم كتبت علينا القتال} معناه ألزمتنا وأوجبت علينا.
وقوله: {لولا أخرتنا} معناه هلا أخرتنا {إلى أجل قريب} وهو إلى أن نموت بآجالنا فأعلمهم الله تعالى أن متاع الدنيا قليل، وأن الآخرة خير لأهل التقى وأعلمهم أن آجالهم لا تخطئهم {ولا يظلمون فتيلاً} أي لا يبخسون هذا القدر، وكيف ما زاد عليه. والفتيل: ما تقتله بيدك من الوسخ ثم تلقيه في قول ابن عباس. وقيل: هو ما في شق النواة، لأنه كالخيط المفتول في شق النواة.