التفاسير

< >
عرض

فَإِذَا ٱنشَقَّتِ ٱلسَّمَآءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَٱلدِّهَانِ
٣٧
فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ
٣٨
فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُسْأَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلاَ جَآنٌّ
٣٩
فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ
٤٠
يُعْرَفُ ٱلْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِٱلنَّوَاصِي وَٱلأَقْدَامِ
٤١
فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ
٤٢
هَـٰذِهِ جَهَنَّمُ ٱلَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا ٱلْمُجْرِمُونَ
٤٣
يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ
٤٤
فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ
٤٥
-الرحمن

التبيان الجامع لعلوم القرآن

ثمان آيات بصرى وتسع في ما عداه، عدّ الكل {يكذب بها المجرمين} ولم يعده البصريون.
يقول الله تعالى {فإذا انشقت السماء} ومعناه إن ينفك بعضها عن بعض، فالسماء تنشق يومئذ وتصير حمراء كالوردة. ثم تجرى كالدهان قال الفراء: الوردة الفرس الوردة. وقال الزجاج: يتلون كما يتلون الدهان المختلفة أى فكان كلون فرس ورده، وهو الكميت فيتلون في الشتاء لونه بخلاف لونه في الصيف، وكذلك في الفصول فسبحان خالقها والمصرّف لها كما يشاء. والوردة واحدة الورد، وإنما تصير السماء كالوردة في الاحمرار ثم تجري كالدهان، وهو جمع دهن كقولك قرط وقراط عند انقضاء الأمر وتناهي المدة. وقال الحسن: هي كالدهان أى كالدهن الذى يصب بعضه على بعض بألوان مختلفة. وقيل: تمور كالدهن صافية. وقال قتادة: لونها حينئذ الحمرة كالدهان في صفاء الدهن وإشراقه. وقال قوم: إن السماء تذوب يوم القيامة من حر نار جهنم فتصير حمراء ذائبة كالدهن. قال الجبائي: وروي أن السماء الدنيا من حديد وليس في الآية ما يدل ما قاله، لاحتمال ذلك ما قاله المفسرون. والأقوال التي ذكرناها. وقال الفراء: الدهان الأديم الأحمر ووجه النعمة في إنشقاق السماء حتى وقع التقرير بها فى قوله {فبأى آلاء ربكما تكذبان} هو ما فى الاخبار به من الزجر والتخويف بانشقاق السماء فوقع فى السبب ولا يصلح فى المسبب أن يكون منفعة، ولكن لسبب النفع الذى هو الزجر فى دار الدنيا، فلذلك وقع التقرير بقوله {فبأى آلاء ربكما تكذبان}.
وقوله {فيومئذ لا يسأل عن ذنبه أنس ولا جان} معناه لا يسأل فى ذلك الموطن لما يلحقه من الدهش والذهول الذى تحار له العقول، وإن وقعت المسألة فى وقت غيره بدلالة قوله
{ وقفوهم إنهم مسؤلون } وقال قتادة: يكون المسائلة قبل ثم يختم على الافواه عند الجحد فتنطق الجوارح. وقيل: معناه إن يومئذ لا يسأل عن ذنبه أنس ولا جان ليعرف المذنب من المؤمن المخلص، لان الله تعالى قد جعل عليهم علامة كسواد الوجوه وقبح الخلق ولم يدخل فى ذلك سؤال المحاسبة للتوبيخ والتقريع، لأنه تعالى قال {وقفوهم إنهم مسؤلون} وتقدير الاية فيومئذ لا يسأل أنس عن ذنبه ولا جان عن ذنبه. وقيل: يجوز أن يكون المراد أنه لا يسأل احد من انس ولا جان عن ذنب غيره، وإنما يسأل هو سؤال توبيخ عن فعل نفسه.
وقوله {يعرف المجرمون بسيماهم} معناه إن الله تعالى جعل للكفار والعصاة علامات تعرفهم بها الملائكة والسيماء العلامة. ومنه قوله
{ سيماهم في وجوههم من أثر السجود } وهو مشتق من السوم وهو رفع الثمن عن مقداره، ومنه { مسومين } أي معلمين بعلامة والعلامة يرفع باظهارها لتقع المعرفة بها والمعرفة هي العلم عند المتكلمين. وقال بعض النحويين: إن متعلق المعرفة المفرد ومتعلق العلم الجملة كقولهم عرفت زيداً وعلمت زيد قائماً ولو جئت بقائم فى عرفت لكان حالا ولم يخرج عن معرفة زيد.
وقوله {فيؤخذ بالنواصي والأقدام} قال الحسن: يجمع بين ناصيته وقدمه بالغل فيسحب إلى النار. والناصية شعر مقدم الرأس، ومنه ناصية الفرس ومنه قوله تعالى
{ لنسفعاً بالناصية } أي ليقترن بها ما سحقته النار إذلالا لها وأصله الاتصال من قول الشاعر:

فى يناصيها بلادقى

أي يتصل بها فالناصية متصلة بالرأس و (الاقدام) جمع قدم وهو العضو الذي يقدمه صاحبه للوطيء به على الأرض. وقيل: يأخذهم الزبانية بنواصيهم وأقدامهم فتسحبهم إلى النار أى تأخذهم تارة بذا، وتارة بذا. وقال الحسن وقتادة يعرفون بأنهم سود الوجوه زرق العيون، كما قال تعالى { يوم تبيض وجوه وتسود وجوه } {فبأى آلاء ربكما تكذبان} وجه النعمة بذلك ما فيه من الزجر عن المعاصي والترغيب فى الطاعات وذلك نعمة من الله على العباد فى الدين.
وقوله {هذه جهنم التي يكذب بها المجرمون} معناه يقال لهم يوم القيامة إذا شاهدوا جهنم {هذه جهنم} ويحتمل أن يكون المراد هذه جهنم التي وصفتها هي التي يكذب بها المجرمون الكفار بنعم الله {يطوفون بينها وبين حميم آن} قيل: يطوفون بين أطباقها فى عذاب النار، وبين الحميم آن. والحميم الماء الحار. والآن الذي بلغ نهايته. والمراد - ها هنا - هو الذى قد بلغ نهاية حرّه من آنى يأنى إنياً فهو آن، ومنه قوله
{ غير ناظرين إناه } يعني نضاجه وبلوغه غايته {فبأي آلاء ربكما تكذبان} والاخبار بذلك لطف وزجر عن المعاصي فلذلك كانت نعمة اعتد بها وقرر بها.