التفاسير

< >
عرض

سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ
١
هُوَ ٱلَّذِيۤ أَخْرَجَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ مِن دِيَارِهِمْ لأَوَّلِ ٱلْحَشْرِ مَا ظَنَنتُمْ أَن يَخْرُجُواْ وَظَنُّوۤاْ أَنَّهُمْ مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ ٱللَّهِ فَأَتَاهُمُ ٱللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُواْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي ٱلْمُؤْمِنِينَ فَٱعْتَبِرُواْ يٰأُوْلِي ٱلأَبْصَارِ
٢
وَلَوْلاَ أَن كَتَبَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمُ ٱلْجَلاَءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي ٱلدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي ٱلآخِرَةِ عَذَابُ ٱلنَّارِ
٣
ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَآقُّواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَن يُشَآقِّ ٱللَّهَ فَإِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ
٤
مَا قَطَعْتُمْ مِّن لِّينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَآئِمَةً عَلَىٰ أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ ٱللَّهِ وَلِيُخْزِيَ ٱلْفَاسِقِينَ
٥
-الحشر

التبيان الجامع لعلوم القرآن

قرأ ابو عمرو وحده {يخربون بيوتهم} بالتشديد قال الفراء: وهي قراءة ابي عبد الرحمن السلمي والحسن. الباقون بالتخفيف. قال قوم: معناهما واحد مثل اكرمته وكرمته. وقال بعضهم: معنى التخفيف انهم ينتقلون عنها فيعطلونها، وبالتشديد يهدمونها.
قد مضي تفسير {سبح لله ما في السماوات وما في الأرض وهو العزيز الحكيم} فلا معنى لاعادته.
وقوله {هو الذي أخرج الذين كفروا من ديارهم} معناه ان الذي وصفه بأنه عزيز حكيم هو الله الذي أخرج الكفار من اليهود من ديارهم {لأول الحشر} قال قتادة ومجاهد: هم بنو النضير، لما نزل النبي صلى الله عليه وآله بالمدينة عاقده بنو النضير على ان لا يكونوا عليه ولا له. ثم نقضوا العهد وأرادوا أن يطرحوه حجراً حين مضى النبي صلى الله عليه وآله اليهم يستعين بهم فى تحمل بعض الديتين اللتين لزمتا صاحب النبي صلى الله عليه وآله حين انقلب من بئر معونة فقتل نفسين، كان النبي صلى الله عليه وآله أجرهما، ومالوا للمشركين على النبى صلى الله عليه وآله فأجلاهم الله عن ديارهم على ان لهم الذرية وما حملت إبلهم والباقي لرسول الله فأجلاهم النبي صلى الله عليه وآله على هذا عن ديارهم ومنازلهم، فمنهم من خرج إلى خيبر، ومنهم من خرج إلى الشام.
وقوله تعالى {لأول الحشر} قال قوم: أول الحشر هو حشر اليهود من بني النضير إلى ارض الشام، وثاني الحشر حشر الناس يوم القيامة إلى ارض الشام أيضاً. وقال البلخي: يريد أول الجلاء، لان بني النضير أول من أجلي عن ارض العرب. والحشر جمع الناس من كل ناحية، ومنه الحاشر الذي يجمع الناس إلى ديوان الخراج، والجمع حشار {ما ظننتم أن يخرجوا} أي لم تظنوا خروجهم منها {وظنوا} هم {أنهم مانعتهم حصونهم من الله} أي حسبوا ان الحصون التي هم فيها تمنعهم من عذاب الله وإنزاله بهم على يد نبيه، فجعل تعالى امتناعهم من رسوله امتناعاً منه.
وقوله تعالى {فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا} أي اتاهم أمر الله من حيث لم يحتسبوا مجيئه منه {وقذف} أي ألقى {في قلوبهم الرعب} وهو الخوف {يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين} معناه إنهم كانوا يهدمون بيوتهم بأيديهم من داخل ليهربوا ويخرب المؤمنون من خارج - على ما ذكره الحسن - ثم قال تعالى {فاعتبروا يا أولي الأبصار} معناه اتعظوا وفكروا فلا تفعلوا كما فعل هؤلاء فيحل بكم ما حل بهم. والحصون جمع حصن، وهو البناء العالي المنيع، يقال: تحصن فلان إذا امتنع بدخوله الحصن.
ومن استدل بهذه الآية على صحة القياس فى الشريعة فقد أبعد. لان الاعتبار ليس من القياس فى شيء، وإنما معناه الاتعاظ على ما بيناه، ولا يليق بهذا الموضع قياس فى الشرع، لانه لو قال بعد قوله {يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين} فقيسوا الارز على الحنطة، لما كان كلاماً صحيحاً ولا يليق بما تقدم. وإنما يليق بما تقدم الاتعاظ والانزجار عن مثل افعال القوم من الكفر بالله.
وقوله تعالى {ولولا أن كتب الله عليهم الجلاء} معناه لولا ان الله كتب فى اللوح المحفوظ بما سبق فى علمه انهم يجلون عن ديارهم يعني اليهود {لعذبهم في الدنيا} بعذاب الاستئصال. والجلاء الانتقال عن الديار والأوطان للبلاء. وقيل: هو الفرار عن الأوطان يقال: جلا القوم عن منازلهم جلاء، وأجليتهم إجلاء. ثم قال {ولهم في الآخرة} مع الجلاء عن الاوطان فى الدنيا {عذاب النار} يعذبون بها. ثم بين لم فعل بهم ذلك فقال {ذلك} أي فعلنا بهم ذلك {بأنهم شاقوا الله ورسوله} وخالفوهما وعصوهما. ثم توعد من يسلك مسلكهم فى المشاقة لله ورسوله، فقال {ومن يشاق الله ورسوله فإن الله شديد العقاب} يعاقبهم على مشاقتهم باشد العقاب.
وقوله {ما قطعتم من لينة} فاللينة كل نخلة لينة سوى العجوة - فى قول ابن عباس وقتادة - وهي لغة أهل المدينة. وقال بعضهم: إلا البرني والعجوة، قال مجاهد وعمرو بن ميمون وابن زيد: كل نخلة لينة ولم يستثنوا. وقال سفيان: اللينة كرام النخل. وأصل اللينة اللونة فقلبت الواو ياء للكسرة. ويجمع لياناً، قال ذو الرمة:

طراق الخوافي مشرق فوق ريعة ندى ليلة فى ريشه يترقرق

فكأنه قال لون من النخل أي ضرب منه. وقيل: يجوز أن تكون من اللبن للين ثمرتها، وقوله {أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله} أي قطعتموها او تركتموها بحالها كل ذلك سائغ لكم، وهو بعلم الله وإذنه فى ذلك وأمره به. وقوله {وليخزي الفاسقين} أي فعل ذلك ليذل به الكفار الفاسقين من اليهود ويهينهم به لا أنهم يفعلونه على وجه الفساد فى الارض، لأن فيما فعلوه إذلال اهل الشرك وعز أهل الاسلام.